وأهل السماوات وأهل الأرض، حتئى النملة فئي جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير» (1) .
وهم ورثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس الهدى ودين الحق، فقد بعثه الله معلمًا، كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] ، فهم ورثة الرسول في هذه الشعب الثلاث: تلاوة آيات الله وتلقينها للناس، وتعليم الكتاب والحكمة، حتى تستنير العقول، وتزكية الأنفس، حتى تستقيم الضمائر.
ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله بعثني معلمًا ميسرًا» رواه مسلم.
وهم يقومون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في"إفتاء الناس"كما بيّن ذلك الإمام الشاطبي، إذ لا يسعهم أن يكتموا ما يعلمونه من أحكام الشريعة إذا سئلوا عنه، كما جاء في الحديث: «من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (2) .
وتوعد الله تعالى بأشد الوعيد من كتم ما أنزل الله من البينات عن خلقه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159، 160] .
واعتبر الإمام ابن القيم هؤلاء العلماء المفتين في دين الله، المبيّنين لأحكام شريعته:"الموقعين عن رب العالمين"، لأنه يفتي وفق ما فهمه من شرع الله سبحانه، فكأنما يوقع عن ربه تعالى.
ومن هنا كان من غير المقبول في الإسلام: التطاول على العلماء، والنيل من أقدارهم، والتعدي على حرماتهم، لما لهم من عظيم المكانة عند الله وعند رسوله.
(1) رواه الترمذي وحسنه عن أبي أمامة.
(2) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن حبان في"صحيحه"، والحاكم وصححه على شرطهما عن أبي هريرة.