ولا تملّ، ولا تعمق ولا تعقيد، وقد قال الله لرسوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] .
ومن عاش مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته وسيرته، تبين له هذا الوضوح واليسر كالصبح لذي عينين.
وكذلك كان أصحابه، رضوان الله عليهم. يقول عبد الله بن مسعود: «من كان منكم مُسْتَنًّا - أي مقتديًا - فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحي لا يُؤْمَن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد: أَبَرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تَكَلُّفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم» .
وفرقٌ بين أن تقرأ في الاستدلال على وجود الله تعالى قول القرآن الكريم: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الطور: 35 - 36] ، وبين أن تقرأ قول المتكلمين في نفس الموضوع:"العالم بجميع أجزائه محدث، إذ هو أعيان وأعراض، فالأعيان ما له قيام بذاته. وهو إما مركب وهو الجسم، أو غير مركب كالجوهر، وهو الجزء الذي لا يتجزأ. والعرض ما يقوم بذاته، ويحدث في الأجسام والجواهر، كالألوان والأكوان والطعوم والروائح. والمحدث للعالم هو الله!! ا. هـ من العقائد النسفية، وفيه - مع تكلفه - إشكالات واعتراضات، وهو من أوضح ما كتب في علم الكلام، فكيف بغيرها!"
وفرقٌ بين قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله أن يدله على أمر يعتصم به، فقال له: «قل: آمنت بالله، ثم استقم» (1) ، وقوله: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس» (2) .
وفرقٌ بين هذا التوجيه الرباني الواضح السهل المنير للعقل والقلب معًا، وبين تعمقات الفلاسفة، وتدقيقات المتكلمين، وتشقيقات بعض الفقهاء، وتمتمات
(1) رواه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي برقم [38] .
(2) رواه مسلم عن النواس بن سمعان رقم [2553] .