فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 305

كثير من الصوفية، في الأحوال والمقامات والتقاسيم والتعاريج التي أكثرها أحاج وألغاز، لا يتصورها أكثر الناس إلا بصعوبة، ولا يفهمها إلا بترجمة. ولا عجب، فأكثرها لم يرد له ذكر في القرآن ولا في السنة، ولا في هدي الصحابة وتابعيهم بإحسان.

يقول ابن القيم معقبًا على تكلف الطوائف من أرباب الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم. في باب الخبر عن الله وأسمائه وصفاته، ومن أرباب التصوف في باب الإرادة والطلب والسلوك، ومن شبابههم في التكلف الشديد من المصنفين في الفقه. يقول:

"فلا تجد هذا التكلف الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلًا. وإنما يوجد عند من عدل عن طريقتهم، وإذا تأمله العارف وجده (كلحم جمل غثّ على رأس جبل وَعِر، لا سهل فيرتقي، ولا سمين فينتقل) " (1) .

فيطول عليك الطريق، ويوسع لك العبارة، ويأتي بكل لفظ غريب، ومعنى أغرب من اللفظ. فإذا وصلت لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن"تسمع جَعْجَعَةً ولا ترى طِحنًا"، فالمتكلمون في جعاجع الجواهر والأعراض والأكوان، والألوان، والجوهر الفرد، والأحوال، والحركة، والسكون، والوجود والماهية، والانحياز، والجهات، والنسب، والإضافات، والغيرين، والخلافين، والضدين، والنقيضين، والتماثل، والاختلاف، والعرض هل يبقى زمانين؟ وما هو الزمان، والمكان؟

ويموت أحدهم ولم يعرف الزمان والمكان، ويعترف بأنه لم يعرف الوجود: هل هو ماهية الشيء أو زائد عليها؟

ويعترف أنه شاك في وجود الرب: هل هو وجود محض أو وجود مقارن للماهية؟ ويقول: الحق عندي الوقف في هذه المسألة!

ويقول أفضلهم - عن نفسه - عند الموت: أخرج من الدنيا وما عرفت

(1) مقتبس من الحديث المعروف بحديث"أم زرع"في صحيح البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت