وهل انفصل بهذا عن جسم الأمة؟ وهل غيّر ولاءه لها؟ وهل حوله إلى غيرها؟ وهل أمسى عضوًا في جسد أمة أخرى أو لا زال ولاؤه لأمته، وحماسه لدينه، ودورانه حول شريعته؟ فلا يزال يدور في فلك الدين، ولا زال يصدع بحكم الشريعة؟
لهذا جاءت الأحاديث محذرة ومنذرة من تكفير المؤمن، ومن سب المؤمنين، ناهيك بالعلماء الذين هم سادة المؤمنين، ومعلمو المسلمين.
لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الحمى، وسب الريح، وسب الدهر، وسب الناقة، وسب الديك، وأنواع من السباب، ليتعود المسلم"نظافة اللسان"، فلا تكون سبابًا ولا لعانًا، فإن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة.
وشرّ ما يرمى به المسلم أو يسب به: الكفر والمروق من الدين الذي اختاره لنفسه، وارتضاه الله له، وأكرمه به، وتم به عليه النعمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
لهذا استفاضت الأحاديث النبوية تحذر من الوقوع في وهدة"التكفير"أو"هاوية التكفير"، وهذا أصح تعبيرًا، فهو ليس مجرد وهدة أو حفرة، بل هي هاوية من سقط فيها فهيهات أن يخرج منها، وإن خرج، فهيهات أن يخرج سالمًا.
وقد بيّنا في رسالتنا عن"ظاهرة الغلو في التكفير"أن التكفير خطيئة علمية، وخطيئة دينية، وخطيئة حركية، وخطيئة سياسية، فليرجع إليه.
وحسبنا الحديث المتفق عليه عن ابن عمر: «أيما رجل قال لأخيه:"يا كافر"، فقد باء بها أحدهما» (1) وفي رواية: «إذا قال لأخيه:"يا كافر"، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلأ رجعت عليه» (2) .
وعن أبي سعيد نحوه. رواه ابن حبان في"صحيحه" (3) .
(1) متفق عليه عن ابن عمر،"اللؤلؤ والمرجان" [39] .
(2) متفق عليه عن ابن عمر أيضًا، البخاري [6104] ، ومسلم [60] .
(3) انظر:"الإحسان" [248] .