المدينة المتواتر، رجع أبو يوسف إلى قوله. وقال: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عن غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل، كما لم يبلغه ولم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الحديث. فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغ علمه.
وكان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد. تركا بها قول شيخهما، لكن لم تبلغه.
ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره، فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن، وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة، مع مخالفته للقياس، لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما.
قد بيّنا هذا في رسالة"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، وبيّنا أن أحدًا من أئمة الإسلام لا يخالف حديثًا صحيحًا بغير عذر، بل لهم نحو من عشرين عذرًا، مثل أن يكون أحدهم لم يبلغه الحديث، أو بلغه من وجه لم يثق فيه، أو لم يعتقد دلالته على الحكم، أو اعتقد أن الدليل قد عارضه ما هو أقوى منه، كالناسخ أو ما يدل على الناسخ، وأمثال ذلك. والأعذار يكون العالم في بعضها مصيبًا فيكون له أجران، ويكون في بعضها مخطئًا بعد اجتهاده فيثاب على اجتهاده، وخطؤه مغفور له، لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ، وقد ثبت في"الصحيح"أن الله استجاب هذا الدعاء وقال: «قد فعلت» ، ولأن العلماء ورثة الأنبياء، وقد ذكر الله عن داود وسليمان أنهما حَكَمَا في قضية، وأنه فهَّمها أحدهما ولم يعب الآخر، بل أثنى على كل واحد منها بأنه آتاه حكمًا وعلمًا فقال: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78، 79] (1) .
(1) "مجموع الفتاوى" (20/ 304، 305) .