يرى بعض الفقهاء: أن من أقر لدى الحاكم ابتداء، أو بعد دعوى بما يستوجب عقوبة لحق الله تعالى ، كالزنى والسرقة ، فإنه يستحب للحاكم أن يعرض له بالرجوع عن الإقرار ، واحتجوا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لماعز لما أقر بالزنى: ( لعلك قبلت ، أو غمزت، أو نظرت) (1) ، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي أقر بالسرقة: ( ما أخالك سرقت ) (2) .
وبعضهم قال: لا بأس بتلقين المقر صراحة، لما روى البيهقي عن حماد عن إبراهيم قال: أتي أبو مسعود الأنصاري بامرأة سرقت جملا، فقال: أسرقتِ ؟ قولي لا. وعن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اطردوا المعترفين، قال سفيان: يعني المعترفين بالحدود (3) .
5 -الإنكار بعد الإقرار:-
من أقر بحق ثم رجع عن إقراره، وأنكر جميع ما أقر به فإما أن يكون إقراره في الحدود التي هي حق لله تعالى، أو في غير ذلك مما هو حقوق للعباد.
فإن كان إقراره فيما هو حق لله تعالى، كالحدود، فقال بعض الفقهاء لا يلزمه حكم إقراره، بل إذا رجع وأنكر السبب أو أكذب نفسه، أو أنكر إقراره به، أو أكذب الشهود - أي شهود الإقرار - سقط الحد، فلم يقم عليه ؛ ولو كان رجوعه أثناء إقامة الحد سقط باقيه؛ لأن الرجوع خبر محتمل للصدق، كالإقرار، وليس أحد يكذبه فيه، فتتحقق الشبهة في الإقرار، بخلاف ما فيه حق العبد وهو القصاص وحد القذف ؛ لوجود من يكذبه لو أنكر. وقال بعضهم: إن الحد إذا ثبت بالإقرار لم يسقط بإنكاره أو الرجوع عنه.
أما الإنكار بعد الإقرار بحقوق العباد، وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهة، فلا يقبل منه الإنكار بعد إقراره بهذا.
(1) - الحديث في صحيح البخاري برقم ( 6824 ) .
(2) - رواه الإمام أحمد في مسنده برقم ( 22002 ) .
(3) - سنن البيهقي الكبرى 8/276 الحديث رقم ( 17056 )