متابعة المجاهرين بالمعاصي ومرتكبي الجرائم وتقديمهم للعدالة لا شك في وجوبها، لكن إذا كان مرتكب الجريمة أو المعصية مستترا في داره ولم يجاهر بفعله فقد بين العلماء حكمه ومن ذلك ما قاله محمد القرشي بقوله: ( فأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يبحث عنها، ولا أن يهتك الأستار حذرا من الاستتار بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم { من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه } (1) . ومن شرط المنكر الذي ينكره المحتسب أن يكون ظاهرا فكل من ستر معصية في داره, وأغلق بابه لا يجوز له أن يتجسس عليه إلا أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل من يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فيجوز له مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف، والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم, وارتكاب المحظورات.
الثاني: ما خرج عن هذا الحد , وقصر عن هذه الرتبة لا يجوز التجسس عليه, ولا كشف الأستار عنه, حكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على قوم يتعاقرون على شراب, ويوقدون في الأخصاص (2) فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم, ونهيتكم عن الإيقاد في الأخصاص فأوقدتم فقالوا: نهاك الله عن التجسس فتجسست,وعن الدخول بغير إذن فدخلت ؛ فقال هاتين بهاتين، وانصرف, ولم يتعرض لهم, فإن سمع المحتسب أصوات ملاه منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتها أنكرها خارج الدار, ولم يهجم عليها بالدخول ; لأن المنكر ظاهر, وليس له أن يكشف عما سواه ) (3) .
4 -عقوبة التجسس:
الجاسوس إن كان حربيًا فهو مباح الدم يقتل على أي حال بإجماع الفقهاء.
(1) - رواه الإمام مالك في الموطأ حديث رقم ( 1562 ) .
(2) - الأخصاص جمع خص وهو بيت من شجر أو قصب.
(3) - معالم القربة في معالم الحسبة صفحة 37