وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وفي الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { كل شراب أسكر فهو حرام } (1) . وفي الصحيحين، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل، فقيل له: عندنا شراب من العسل يقال له البتع، وشراب من الذرة يقال له المزر ؟ قال - وكان قد أوتي جوامع الكلم - فقال: { كل مسكر حرام } (2) إلى أحاديث أخر يطول وصفها، وعلى هذا فتحريم ما يسكر من الأشربة والأطعمة، كالحشيشة المسكرة ثابت بالنص، وكان هذا النص متناولا لشرب الأنواع المسكرة من أي مادة كانت من الحبوب، أو الثمار أو من لبن الخيل أو من غير ذلك ؛ ومن ظن أن النص إنما يتناول خمر العنب قال إنه لم يبين حكم هذه المسكرات التي هي في الأرض أكثر من خمر العنب، بل كان ذلك ثابتا بالقياس، وهؤلاء غلطوا في فهم النص، ومما يبين ذلك أنه قد ثبت بالأحاديث الكثيرة المستفيضة أن الخمر لما حرمت لم يكن بالمدينة من خمر العنب شيء، فإن المدينة لم يكن فيها شجر العنب، وإنما كان عندهم النخل، فكان خمرهم من التمر، ولما حرمت الخمر أراقوا تلك الأشربة التي كانت من التمر، وعلموا أن ذلك الشراب هو خمر محرم.
فعلم أن لفظ الخمر لم يكن عندهم مخصوصا بعصير العنب، وسواء كان ذلك في لغتهم فتناول، أو كانوا عرفوا التعميم بلغة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه المبين عن الله مراده، فإن الشارع يتصرف في اللغة تصرف أهل العرف، يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من معناه في اللغة، وتارة فيما هو أخص ) (3) .
(1) - صحيح البخاري حديث رقم ( 242 ) وصحيح مسلم حديث رقم ( 2001 ) .
(2) - صحيح البخاري حديث رقم ( 4343 ) وصحيح مسلم حديث رقم ( 1733 ) .
(3) - الفتاوى الكبرى 1/153 - 154