إذا وصلت القضية المحكمة فإن المدعي فيها إما أن يكون مدعيا عاما، أو مدعيا خاصا، فالمدعي العام لا يملك بحال من الأحوال الصلح أو التنازل عن الدعوى. وأما المدعي الخاص فإن كانت دعواه مما يجوز فيه الصلح، فإنه يملك حق الصلح، والتنازل ، ويجوز للقاضي أن يعرض على الخصوم أمر الصلح، إذا رأى أن فيه مصلحة. قال الطرابلسي رحمه الله: ( وإذا أشكل على القاضي وجه الحق أمرهم بالصلح ، فإن تبين له وجه الحكم فلا يعدل إلى الصلح وليقطع به ، فإن خشي من تفاقم الأمر بإنفاذ الحكم بين المتخاصمين أو كانا من أهل الفضل أو بينهما رحم أقامهما وأمرهما بالصلح. وقد أقام بعض قضاة العدل من الصدر الأول رجلين من صالحي جيرانه من بين يديه وقال: استرا على أنفسكما ولا تطلعاني على سركما. وقال عمر بن الخطاب: ردوا القضاء بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن. قال بعضهم: إنما يجوز للقاضي أن يأمر بالصلح إذا تقارب الحجتان بين الخصمين غير أن أحدهما يكون ألحن بحجته من الآخر، أو تكون الدعوى في أمور درست وتقادمت وتشابهت. وأما إذا تبين للحاكم موضع الظالم من المظلوم لم يسعه من الله إلا فصل القضاء ) (1) .
(1) - معين الحكام صفحة 20 - 21