قال الباجي- رحمه الله- في شرحه لحديث { لا ضرر ولا ضرار } (1) : (ويحتمل عندي أن يكون معنى الضرر أن يضر أحد الجارين بجاره ، والضرار أن يضر كل واحد منهما بصاحبه ; لأن هذا البناء يستعمل كثيرًا بمعنى المفاعلة كالقتال والضراب والسباب والجلاد والزحام , وكذلك الضرار ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن ينفرد أحدهما وغيره بالإضرار بجاره عن أن يقصدا ذلك جميعا وليس استيفاء الحقوق في القصاص من هذا الباب ; لأن ذلك استيفاء الحقوق , أو ردع عن استدامة ظلم , وإنما الضرار فيما ليس فيه إلا مجرد الإضرار بصاحبه فأما الضرر على هذا التأويل فمثل ما يحدثه الرجل في عرصته(2) مما يضر بجيرانه من بناء حمام , أو فرن للخبز أو لسبك ذهب , أو فضة , أو كير لعمل الحديد أو رحى مما يضر بالجيران , فقد قال ابن القاسم عن مالك في المجموعة أن لهم منعه , وقاله في الدخان قال وأرى التنور خفيفا , ووجه ذلك أن ضرر الفرن والحمام بالجيران بالدخان الذي يدخل في دورهم ويضر بهم وهو من الضرر الكثير المستدام وما كان بهذه الصفة منع إحداثه على من يستضر به ) (3) .
3 -حكم إلحاق الضرر بالغير:
(1) - رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (2867) ، وابن ماجة في سننه برقم (2340) ، ومالك في الموطأ برقم (1429) .
(2) - قال في المصباح المنير: عَرْصَةُ الدار ساحتها وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء والجمع عِرَاصٌ.
(3) - شرح الموطأ 6/40