وفي إحدى القضايا هرب القاتل واندس بين الناس فلم يُعرف , فمر المعتضد على الناس يضع يده على قلب كل واحد منهم , واحدا بعد واحد فيجده ساكنا , حتى وضع يده على فؤاد ذلك الغلام فإذا به يخفق خفقا شديدا فركضه برجله , واستقره فأقر فقتله. ومع ذلك فإن الاستناد إلى الأثر ليس قرينة قطعية على ارتكاب الجريمة, تشير إلى ذلك قضية القصاب الذي ذهب إلى خربة للتبول ومعه سكينه , فإذا به أمام مقتول يتشحط في دمه, وما أفاق من ذهوله حتى وجد العسس يقبضون عليه, وقد عجز الرجل عن الدفاع عن نفسه معتقدا أن الأدلة جميعها ضده , ولم ينقذه من العقوبة المحتومة - وهي القتل - إلا إقرار القاتل الحقيقي بالجريمة (1) .
ومن أخبار القيافة المعاصرة ، أن رجلًا مجهولًا ارتكب سرقة في إحدى محافظات المملكة ، ولم يوجد في مسرح الجريمة سوى أثر أقدام الجاني، فاستعان رجال الضبط بالقائف - المري - الذي نظر فقط إلى آثار الأقدام ثم مضت الأيام ، وبعد مضي ثلاثة أشهر من الواقعة اجتمع الناس في حفلة زواج عند الرجل صاحب المحل المسروق ، وكان المري الذي نظر إلى آثار الجاني من بين الحاضرين فرآى شابًا أقبل يمشي ، فسأل عنه فقال صاحب الحفلة هذا قريب لي ، فقال المري هذا هو الذي سرق محلك ، فلما استجوب هذا الشاب من قبل الجهات المختصة اعترف بالسرقة.
ولقد قلل من الحاجة للقافة في هذا العصر ظهور الوسائل الحديثة التي يتم بواسطتها التعريف على الآثار، كعلم البصمات، والتحاليل الطبية، ونحوها.
(1) - الموسوعة الفقهية 34/104