ومن السنة ما جاء في الصحيحين، من قصة ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: { هل مسحتما سيفيكما } ؟ قالا: لا، قال: { فأرياني سيفيكما } . فلما نظر فيهما، قال لأحدهما: { هذا قتله وقضى له بسلبه } (1) .
قال ابن القيم رحمه الله: ( وهذا من أحسن الأحكام، وأحقها بالاتباع، فالدم في النصل شاهد عجيب. وبالجملة: فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ومن خصها بالشاهدين، أو الأربعة، أو الشاهد لم يوف مسماها حقه. ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة مجموعة ) (2) .
3 -قوة القرائن في الدلالة:
القرائن منها ما يقوى حتى يفيد القطع، ومنها ما يضعف، ويمثلون لحالة القطع بمشاهدة شخص خارج من دار خالية خائفا مدهوشا في يده سكين ملوثة بالدم، فلما وقع الدخول للدار رئي فيها شخص مذبوح في ذلك الوقت يتشخط في دمائه، فلا يشتبه هنا في كون ذلك الشخص هو القاتل، لوجود هذه القرينة القاطعة. وأما القرينة غير قطعية الدلالة ولكنها ظنية أغلبية، فمنها القرائن العرفية أو المستنبطة من وقائع الدعوى وتصرفات الخصوم، فهي دليل أولي مرجح لزعم أحد المتخاصمين مع يمينه متى اقتنع بها القاضي ولم يثبت خلافها. والمقصود أن الشريعة لا ترد حقا ولا تكذب دليلا ولا تبطل أمارة صحيحة ) (3) .
4 -القرائن المعتبرة في الحدود:
تختلف القرائن المعتبرة في الحدود - عند من يقول بها - من حد لآخر.
فالقرينة المعتبرة في الزنى: هي ظهور الحمل في امرأة غير متزوجة، أو لا يعرف لها زوج ؛ والقرينة في شرب المسكر: الرائحة، والقيء، والسكر، ووجود الخمر عند المتهم ؛ وفي السرقة وجود المال المسروق عند المتهم، ووجود أثر للمتهم في موضع السرقة وغير ذلك.
(1) - القصة في صحيح البخاري برقم ( 3141 ) وفي صحيح مسلم برقم ( 1752 ) .
(2) - الطرق الحكمية صفحة ( 11 ) .
(3) - الموسعة الفقهية 33/157