ثم تأمل قوله تعالى {وَيَأْبَى اللََّهُ} لتعلم وتتيقن أن الدين منتصر، وأن هذا الإباء فيه ما فيه من أسماء الحق تعالى وصفاته ما لا يحصي معناه إلّا الله تعالى.
فكيف ينهزم هذا الدين؟ وإن تخاذل أصحابه عن نصره؟!
ثم تأمل معنى {أَنْ يُتِمَّ} فهو يتضمن الكمال المقصود في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلََامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
وهذا تمّ في حياته الشريفة صلى الله عليه وسلم، ويتضمن أيضا الانتشار في بقاع الأرض شرقا وغربا شمالا وجنوبا، سهلا وجبلا، ويشمل الغني والفقير، والقوي والضعيف، والرجال والنساء، كلهم يدخلون في دين الله تعالى ويكون الدين أحبّ إليهم من أنفسهم، يعيشون ليرفعوا راياته وينشروا أنوار الحق فيه، وتهون النفس استشهادا في سبيله وتراق الدماء محبة له.
ثم تأمل قوله تعالى في الآية (33) {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} نرى أولا أهم أسباب الظهور:
إن هذه الرسالة المحمدية على الهدى التام، والتي بيانها في قوله تعالى: {إِنَّ هََذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] .
فهو يهدي للطريقة الأقوم، والسبيل الأعدل، والأسدد قولا وفعلا والأصوب حكما:
1 -في العقيدة: حيث التوحيد الخالص، والتنزيه التام لله تعالى، والتعظيم الكامل مع التوقير الحق الوافر له سبحانه.
2 -في الشريعة: بأقسامها من عبادات ومعاملات إلخ. حيث لا تجد شيئا منها إلّا وهو صالح ومصلح للإنسان، ولو فتشت سنين عدة، وأرجعت بصرك مرارا ما وقفت على شرع مثل هذا الشرع، يقود الإنسان إلى ربه بأحكم تشريع وأيسره.
3 -في الأخلاق: حيث العفة، الطهارة، والتزكية، والاستقامة، مما يصنع إنسانا يتحرك بنور الله إلى نور الله، فهو يتكلم بطاعته، ويفعل ما يرضي خالقه تعالى.
ومع هذا يحاسب نفسه ويظن بها الظنون، حتى لا تحرقها نار الكبر، ولا تفتنها شهوة العجب، بل بين الخوف والرجاء يسير ويتحرك.
ولو استعرضنا بعض المعاني في قوله تعالى {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} لصنعنا مجلدة ضخمة، ولكن من تأمل هذه الشريعة الغراء لوقف على صدق ما نقول [1] .
(1) انظر تفسير الآية للعلامة الشنقيطي في أضواء البيان (3/ 372) .