ويستوهم بعضنا إن ظن أن كثيرا من القضايا التي هزمها السلف قد اندثرت، بل كثير منها يطل بين الفينة والفينة.
فنرى من يدعو إلى كون القرآن نصا لغويا يحتمل كل الإسقاطات التي يتحملها أي نص من وضع بشري.
ويسمى ذلك «بالوعي العلمي» متهما كل السابقين بأنهم أصحاب الفكر الرجعي، باستنادهم إلى التراث، لأن نشر مثل هذا الوعي العلمي في زعمه يسحب البساط من تحت أقدام هذه القوة المنتفعة بالوضع الاجتماعي المتردي.
ويجعل من تهذيب العلوم الإسلامية للناشئة ضربا من ضروب الارتزاق على أكتاف ناشئة جهلاء، وسيلا من سبل الشهرة.
ثم يضع لنا أسسا لصلاحية الأعمال المتقرب بها إلى الله تعالى حيث يكون أولها الموضوعية التي يعرفها المتخصصون هكذا [1] !!.
وهذه كما ترى «عينة» مما تفيض به أقلام هؤلاء المغرورين، ولعله لم يصب من يريد عزل الدرس الديني عن الواقع الإسلامي، وتجريد الفكر المحرك للدعوة من هذه القضايا، وبالتالي تفرغ الدعوة كلها من الدافع فتهون عليها النتائج.
بل استخدام هذه العلوم الشرعية خير وسيلة والله أعلم يرد على كل صاحب هوى يقدح تارة في الفقه، وأخرى في أصوله، وثالثة في التفسير، ورابعة في اللغة والنحو والصرف، وهلم جرا.
وما وضع علماء سلفنا هذه العلوم إلّا للدفاع عن الدين، ولا معنى لقولهم «غربلوهم بالعلم» في مواجهة المبدعة، إلّا باستخدام هذه العلوم حيث التسلح بالفهم الصحيح بالدليل الصحيح حتى يدحض الله تعالى الباطل، وسنرى مثالا لذلك.
فصل سوف يرى القارئ علاج ابن القيم لكثير من الشبهات بالاستناد على علوم القرآن الكريم. حيث ناقش رحمه الله تعالى:
(1) وهذه من مدرسة قديمة دائما ما ترى خلف أسوارها أعناق المستشرقين الذين يخرجون تلاميذ نجباء في ضلالهم، أغبياء في درسهم، وينسون أنهم دائما صدى صوت. وهناك قائمة طويلة بأسماء هؤلاء سنخرجها قريبا، تصريحا لا تلميحا.