فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 490

وقالت طائفة: الضمير يرجع إلى الأغلال، وهذا هو الظاهر، وقوله: فهي إلى الأذقان أي: واصلة وملزوزة إليها، فهو غل عريض قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن.

وقوله: {فَهُمْ مُقْمَحُونَ} قال الفراء والزجاج: المقمح: هو الغاض بصره بعد رفع رأسه، ومعنى الإقماح في اللغة: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمح البعير رأسه وقمح.

وقال الأصمعي: بعير قامح إذا رفع رأسه عن الحوض، ولم يشرب.

قال الأزهري: لما غلت أيديهم إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم، ورءوسهم صعدا، كالإبل الرافعة رءوسها، انتهى.

فإن قيل: فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان؟ قيل أحسن وجه وأبينه، فإن الغل إذا كان في العنق، واليد مجموعة إليها منع اليد عن التصرف والبطش، فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن، منع الرأس من تصويبه، وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبة لا يستطيع له حركة، ثم أكد هذا المنع والحبس بقوله:

{وَجَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} [يس: 9] .

قال ابن عباس: منعهم من الهدى لما سبق في علمه.

والسد الذي جعل من بين أيديهم ومن خلفهم هو الذي سد عليهم طريق الهدى، فأخبر سبحانه عن الموانع التي منعهم بها من الإيمان عقوبة لهم، ومثلها بأحسن تمثيل وبغلّه.

وذلك حال قوم قد وضعت الأغلال العريضة الواصلة إلى الأذقان في أعناقهم وضمت أيديهم إليها، وجعلوا بين السدين لا يستطيعون النفوذ من بينهما، وأغشيت أبصارهم فهم لا يرون شيئا.

وإذا تأملت حال الكافر الذي عرف الحق، وتبين له، ثم جحده وكفر به، وعاداه أعظم معاداة وجدت المثل مطابقا له أتم مطابقة، وأنه قد حيل بينه وبين الإيمان كما حيل بين هذا وبين التصرف، والله المستعان.

وأما القفل فقال تعالى: {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا} (24) [محمد]

قال ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال. وقال مقاتل: يعني: الطبع على القلب، وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج الذي قد ضرب عليه قفل، فإنه ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه، وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان والقرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت