فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
{زِينَةً وَأَمْوََالًا فِي الْحَيََاةِ الدُّنْيََا رَبَّنََا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى ََ أَمْوََالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ فَلََا يُؤْمِنُوا حَتََّى يَرَوُا الْعَذََابَ الْأَلِيمَ} (88) [يونس]
فهذا الشد على القلب هو الصد والمنع، ولهذا قال ابن عباس: يريد امنعها، والمعنى قسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان. وهذا مطابق لما في التوراة أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى: اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه فلا يؤمن حتى تظهر آياتي وعجائبي بمصر.
وهذا الشد والتقسية من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه، جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم كعقوبته لهم بالمصائب، ولهذا كان محمودا عليه. فهو حسن منه وأقبح شيئ منهم، فإنه عدل منه وحكمة، وهو ظلم منهم وسفه. فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم يضع الخير والشر في أليق المواضع بهما، والمقضى المقدر يكون ظلما وجورا وسفها هو فعل جاهل ظالم سفيه.
وأما الصرف فقال تعالى: {وَإِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى ََ بَعْضٍ هَلْ يَرََاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لََا يَفْقَهُونَ} (127) [التوبة] .
فأخبر سبحانه عن فعلهم وهو الانصراف، وعن فعله فيهم وهو صرف قلوبهم عن القرآن وتدبره لأنهم ليسوا أهلا له، فالمحل غير صالح، ولا قابل، فإن صلاحية المحل بشيئين: حسن فهم، وحسن قصد، وهؤلاء قلوبهم لا تفقه، وقصودهم سيئة.
وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: {وَلَوْ عَلِمَ اللََّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (23) [الأنفال] .
فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجة، فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم.
ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم هذا السماع الخاص، وهو الكبر والتولي والإعراض، فالأول مانع من الفهم، الثاني مانع من الانقياد والإذعان، فأفهام سيئة، وقصود رديئة، وهذه نسخة الضلال، وعلم الشقاء كما أن نسخة الهدى، وعلم السعادة فهم صحيح وقصد صالح. والله المستعان.