فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 490

وتأمل قوله سبحانه: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ} [التوبة: 127] كيف جعل هذه الجملة الثانية سواء كانت خبرا أو إعادة عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول، فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لإقبالهم. لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم الإقبال والإذعان فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول كما قال: {فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللََّهُ}

[الصف: 5] .

وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه فلا يمكنه من الإقبال عليه.

ولتكن قصة إبليس منك على ذكره تنتفع بها أتم انتفاع، فإنه لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره، وأصر على ذلك عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية، فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية، وفروعها صغيرها وكبيرها. وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق، فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من عقاب الحسنة الحسنة بعدها.

فإن قيل: فكيف يلتئم إنكاره سبحانه عليهم الانصراف والإعراض عنه، وقد قال تعالى: {فَأَنََّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32] . وقال {فَأَنََّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] وقال: {فَمََا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} (49) [المدثر: 49] . فإذا كان هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين ومأفوكين فكيف ينفي ذلك عليهم؟

قيل: هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم، وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق وهيأ لهم الأسباب، فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ألسنة رسله، وجعل لهم عقولا تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الردي وأسباب الفلاح، وجعل لهم أسماعا وأبصارا، فآثروا الهوى على التقوى واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا:

معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك، فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته.

فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم، فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارا فسده عليهم اضطرارا، فخلاهم، وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوه، ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه

وهم معرضون، فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله، ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة، ولأنشأهم على غير هذه النشأة، ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل، والنور والظلمة، والنافع والضار، الطيب والخبيث، والملائكة والشياطين، والشاء والذئاب، ومعطيها آلاتها وصفاتها، وقواها وأفعالها، ومستعملها فيما خلقت له، فبعضها بطباعها، وبعضها بإرادتها ومشيئتها، وكل ذلك جار على وفق حكمته، وهو موجب حمده ومقتضى كماله المقدس، وملكه التام، ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ما، إن هو إلا كنقرة عصفور من البحر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت