فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم، فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارا فسده عليهم اضطرارا، فخلاهم، وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوه، ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه
وهم معرضون، فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله، ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة، ولأنشأهم على غير هذه النشأة، ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل، والنور والظلمة، والنافع والضار، الطيب والخبيث، والملائكة والشياطين، والشاء والذئاب، ومعطيها آلاتها وصفاتها، وقواها وأفعالها، ومستعملها فيما خلقت له، فبعضها بطباعها، وبعضها بإرادتها ومشيئتها، وكل ذلك جار على وفق حكمته، وهو موجب حمده ومقتضى كماله المقدس، وملكه التام، ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ما، إن هو إلا كنقرة عصفور من البحر
وأما الإغفال فقال تعالى: {وَلََا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنََا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنََا وَاتَّبَعَ هَوََاهُ وَكََانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}
[الكهف: 28] .
سئل أبو العباس ثعلب عن قوله: {أَغْفَلْنََا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنََا} [الكهف: 28] فقال: جعلناه غافلا، قال: ويكون في الكلام «أغفلته سميته غافلا، ووجدته غافلا» .
قلت: الغفل: الشيء الفارغ، والأرض الغفل: التي لا علامة بها، والكتاب الغفل:
الذي لا شكل عليه، فأغفلناه: تركناه غفلا عن الذكر فارغا منه، فهو إبقاء له على العدم الأصلي لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر فبقي غافلا، فالغفلة وصفه، والإغفال فعل الله فيه بمشيئته، وعدم مشيئته لتذكره، فكل منهما مقتض لغفلته، فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر، وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر.
فإن قيل: فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها أم إلى مشيئته لوقوعها؟
قيل: القرآن قد نطق بهذا، وبهذا قال تعالى: {أُولََئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللََّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] .
وقال: {وَمَنْ يُرِدِ اللََّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللََّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41] {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ} [الأنعام: 125] .
فإن قيل: فكيف يكون عدم السبب المقتضى موجبا للأثر؟
قيل: الأثر وإن كان وجوديا فلا بد له من مؤثر وجودي، وأما العدم فيكفي فيه عدم سببه وموجبه فيبقى على العدم الأصلي، فإذا أضيف إليه كان من باب إضافته الشيء إلى
دليله، فعدم السبب دليل على عدم المسبب، وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحة في ذلك، وأما أن يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا.