فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 490

وقالت طائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا، والقول

الأول أرجح لوجوه:

أحدها: أن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا إذا لم يمكن تصحيح الكلام بدونه.

الثاني: أن ذلك يستلزم إضمارين: أحدهما: أمرناهم بطاعتنا، والثاني: فخالفونا أو عصونا، ونحو ذلك.

الثالث: أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه. كقولك: أمرته ففعل، وأمرته فقام، وأمرته فركب، لا يفهم المخاطب غير هذا.

الرابع: أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور، ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك، بل هو سبب للنجاة والفوز.

فإن قيل: أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك.

قيل: هذا يبطل بالوجه الخامس: وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين، بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتباع رسله المترفين وغيرهم، فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين.

يوضحه الوجه السادس: أن الأمر لو كان الطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم.

ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال: أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها، فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال من عداهم: نحن لم يرسل إلينا.

السابع: أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم، وإلا فقيل ذلك: هو لا يريد إهلاكهم لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم. قال تعالى: {وَمََا كََانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى ََ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهََا مُصْلِحُونَ} (117) [هود] .

فإذا أرسل الرسل فكذبوهم يوم أراد إهلاكها، فأمر رؤساءها ومترفيها أمرا كونيا قدريا لا شرعيا دينيا، بالفسق في القرية، فاجتمع أهلها على تكذيبهم، وفسق رؤسائهم فحينئذ جاءها أمر الله وحق عليها قوله بالإهلاك.

والمقصود ذكر الأمر الكوني الديني، ومن الديني قوله: {إِنَّ اللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسََانِ}

[النحل: 90] .

وقوله: {إِنَّ اللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمََانََاتِ إِلى ََ أَهْلِهََا} [النساء: 58] . وهو كثير.

وأما الإذن الكوني فكقوله تعالى: {وَمََا هُمْ بِضََارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلََّا بِإِذْنِ اللََّهِ}

[البقرة: 102] أي بمشيئته وقدره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت