فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 490

ولعمر الله إنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة للعقل والشرع، ولفطرة الله التي فطر عليها خلقه، وقد بينا بطلانه من أكثر من خمسين وجها في كتاب المفتاح [1] .

والمقصود أنه لما انضم القول به إلى القول بأنه سبحانه لا يحب شيئا ويبغض شيئا بل كل موجود فهو محبوب له، وكل معدوم فهو مكروه له، وانضم إلى هذين الآخرين إنكار الحكم والغايات المطلوبة في أفعاله سبحانه وأنه لا يفعل شيئا لمعنى البتة، وانضم إلى ذلك إنكار الأسباب، وأنه لا يفعل شيئا بشيء وإنكار القوى والطبائع والغرائز، وأن تكون أسبابا أو يكون لها أثر، انسد عليهم باب الصواب في مسائل القدر والتزموا هذه الأصول الباطلة لوازم هي أظهر بطلانا وفسادا، وهي من أدل شيء على فساد هذه الأصول وبطلانها، فإن فساد اللازم من فساد ملزومه.

فإن قيل: الكراهة والمحبة ترجع إلى المنافرة والملاءمة للطبع، وذلك محال في حق من لا يوصف بطبع ولا منافرة ولا ملاءمة.

قيل: قد دلت النصوص التي لا تدفع على وصفه تعالى بالمحبة والكراهة، فتبيينكم حقائق ما دلت عليه بالتعبير عنها بملاءمة الطبع ومنافرته باطل، وهو كنفي كل مبطل حقائق أسمائه وصفاته بالتعبير عنها بعبارات اصطلاحية توصل بها إلى نفي وصف به نفسه، كتسمية الجهمية المعطلة صفاته إعراضا، ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها.

وسموا أفعاله القائمة به حوادث، ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيه، وقالوا: لا تحله الحوادث، كما قالت المعطلة ولا تقوم به الأعراض.

وسموا علوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وكونه قاهرا فوق عباده، تحيزا وتجسما، ثم توصلوا بنفي ذلك إلى نفي علوه عن خلقه واستوائه على عرشه.

وسموا ما أخبر به عن نفسه من الوجه واليدين والإصبع جوارح وأعضاء، ثم نفوا ما أثبته لنفسه بتسميتهم له بغير تلك الأسماء، {إِنْ هِيَ إِلََّا أَسْمََاءٌ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَآبََاؤُكُمْ مََا أَنْزَلَ اللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمََا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جََاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ََ} (23) [النجم] .

فتوصلوا بالتشبيه والتجسيم والتركيب والحوادث والأعراض والتحيز إلى تعطيل صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، وأخلوا تلك الأسماء من معانيها وعطلوها من حقائقها.

فيقال لمن نفى محبته وكراهته لاستلزامهما ميل الطبع ونفرته: ما الفرق بينك وبين من

(1) مفتاح دار السعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت