فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 490

من عنده» [1] فأخبرهم أن يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها.

وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من اليهود: هل عذبوا أو نجوا، حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين، وهذا هو الحق لأنه سبحانه قال عن الساكتين: {وَإِذْ قََالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللََّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذََابًا شَدِيدًا} [الأعراف: 164] ، فأخبر أنهم أنكروا فعلهم، وغضبوا عليهم وإن لم يواجهوهم بالنهي، فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم.

وأيضا، فإن الله سبحانه إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به، وعتوا عما نهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعا، فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه بردة وفرح به.

وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في: {إِذََا جََاءَ نَصْرُ اللََّهِ وَالْفَتْحُ} (1) السورة؟ قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره، فقال لابن عباس ما تقول أنت؟

قال: هو أجل رسول الله أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم.

وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد، فإنه سبحانه لم يعلق الاستغفار بعمله، بل علقه بما يحدثه هو سبحانه من نعمة فتحه على رسوله، ودخول الناس في دينه، وهذا ليس بسبب للاستغفار. فعلم أن سبب الاستغفار غيره، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورا راضيا عنه، ويدل عليه أيضا قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] ، وهو صلّى الله عليه وسلّم كان يسبح بحمده دائما، فعلم أن المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح، ودخول الناس في الدين أمر أكبر من ذلك المتقدم، وذلك مقدمة بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقيه إلى ذلك المقام بقية، فأمره بتوفيتها. ويدل عليه أيضا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا، وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول: «اللهم اجعلني من التوابين،

(1) أبو داود (4338) في الملاحم، باب: الأمر والنهي، والترمذي (2168) في الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، وأحمد (1/ 5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت