فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 490

قال: وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول، فإن وافقه قبله، تضبط رده، فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث.

قال: وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: «حدثني قلبي عن ربي» فصحيح أن قلبه حدثه، ولكن عمّن؟ عن شيطانه، أو عن ربه؟ فإذا قال: «حدثني قلبي عن ربي» كان مسندا الحديث إلى من يعلم أنه حدثه به، وذلك كذب. قال: ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوّه به يوما من الدهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك، بل كتب كاتبه يوما «هذا ما أرى الله أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب» فقال: «لا، امحه، واكتب:

هذا ما رأى عمر بن الخطاب، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر، والله ورسوله منه بريء» وقال في الكلالة: «أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان» ، فهذا قول المحدث بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنت ترى الاتحادي والحلولي والإباحي الشطاح، والسماعي مجاهر بالقحة والفرية، يقول: «حدثني قلبي عن ربي» .

فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين، وأعط كل ذي حقّ حقه، ولا تجعل الزغل والخالص شيئا واحدا.

فصل المرتبة الخامسة: مرتبة الإفهام معناه، قال الله تعالى: {وَدََاوُدَ وَسُلَيْمََانَ إِذْ يَحْكُمََانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنََاهََا سُلَيْمََانَ وَكُلًّا آتَيْنََا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنََا مَعَ دََاوُدَ الْجِبََالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنََّا فََاعِلِينَ} (79) [الأنبياء: 78، 79] فذكر هذين النبيين الكريمين، وأثنى عليهما بالعلم والحكم. وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة. وقال علي بن أبي طالب وقد سئل: «هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس؟» فقال: «لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة. وكان فيها العقل وهو الديات وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر» .

وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «والفهم الفهم فيما أدلي إليك» فالفهم نعمة من الله على عبده، ونور يقذفه الله في قلبه يعرف به، ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه، فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره، مع استوائهما في حفظه، وفهم أصل معناه.

فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية، ومنشور الولاية النبوية، وفيه تفاوت مراتب

العلماء، حتى عدّ ألف بواحد. فانظر إلى فهم ابن عباس، وقد سأله عمر ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة {إِذََا جََاءَ نَصْرُ اللََّهِ وَالْفَتْحُ} وما خص به ابن عباس من فهمه منها «أنها نعي الله سبحانه نبيه إلى نفسه وإعلامه بحضور أجله» (1) ، وموافقة عمر له على ذلك، وخفائه عن غيرهما من الصحابة، وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا، وأين تجد في هذه السورة الإعلام بأجله، لولا الفهم الخاص؟ ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس، فيحتاج مع النص إلى غيره، ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه مثال الذين يظنون النقص بالشريعة، وأما في حق صاحب الفهم فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت