فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 490

فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية، ومنشور الولاية النبوية، وفيه تفاوت مراتب

العلماء، حتى عدّ ألف بواحد. فانظر إلى فهم ابن عباس، وقد سأله عمر ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة {إِذََا جََاءَ نَصْرُ اللََّهِ وَالْفَتْحُ} وما خص به ابن عباس من فهمه منها «أنها نعي الله سبحانه نبيه إلى نفسه وإعلامه بحضور أجله» [1] ، وموافقة عمر له على ذلك، وخفائه عن غيرهما من الصحابة، وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا، وأين تجد في هذه السورة الإعلام بأجله، لولا الفهم الخاص؟ ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس، فيحتاج مع النص إلى غيره، ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه مثال الذين يظنون النقص بالشريعة، وأما في حق صاحب الفهم فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها.

فصل المرتبة السادسة: مرتبة البيان العام. وهو تبين الحق وتمييزه من الباطل بأداته وشواهده وأعلامه، بحيث يصير مشهودا للقلب، كشهود العين للمرئيات.

وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه، التي لا يعذب أحدا ولا يضله إلا بعد وصوله إليها، قال الله تعالى: {وَمََا كََانَ اللََّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدََاهُمْ حَتََّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مََا يَتَّقُونَ إِنَّ اللََّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (115) [التوبة: 115] ، فهذا الإضلال عقوبة منه لهم، حين بين لهم، فلم يقبلوا ما بينه لهم، ولم يعملوا به، فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما أضل الله سبحانه أحدا قط إلا بعد هذا البيان.

وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر، وزالت عنك شكوك كثيرة، وشبهات في هذا الباب، وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده. والقرآن يصرح بهذا في غير موضع، كقوله: {فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنََا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] فالأول: كفر عناد، والثاني: كفر طبع، وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصََارَهُمْ كَمََا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (110) [الأنعام] فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه، بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له.

فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه موضع عظيم.

وقال تعالى: {وَأَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى ََ عَلَى الْهُدى ََ} [فصلت: 17] فهذا هدي بعد البيان والدلالة، وهو شرط لا موجب، فإنه إن يقترن به هدي آخر بعده لم يحصل به كمال

(1) أخرجه البخاري في التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت