فإذا لم يطل المجلس بأن صدرَ القبولُ عقب الإيجاب من غير تراخ فبها، وإذا تأخَّر القبول عن الإيجاب، فإن كان الاشتغال مدّة الفصل بينهما متعلِّقًا بشيء من عقد الزواج صحّ وإن كان أجنبيًا عنه فلا يصحّ؛ لأنه في هذه الحالة يكون القابل قد أعرضَ عن الإيجاب فيبطله، فلا يتعلَّق به القبول، بخلاف الحالة الأولى، فإن الإيجابَ لم يزل موجودًا؛ إذ الفاصل متعلِّق به فكأنه من تمامه، فيتعلَّق به القبول فيصحّ.
الثاني: سماع كلٍّ من العاقدين كلام الآخر؛ فإن فهمَ كلٌّ منهما ما يقوله الآخر فبها، وإن لم يفهم فإن كان يعلم أنه يريد عقد الزواج بهذه العبارة صحّ أيضًا، وإن لم يعلم فلا يصحّ، فإذا لقَّنَ رجلٌ امرأةً معنى زوَّجتك نفسي بالفارسية مثلًا، وهي لا تفهمها، وقالت: اللفظ الذي لقَّنَه لها، فقبل، فإن كانت عالمةً بأن الغرضَ ممَّا تقول عقد الزواج صحّ، وإلا فلا (1)
(1) فيما قاله هنا نظر؛ إذ أن في مسألة عقد النكاح بصريح النكاح والزواج لمَن لا يفهم كونه نكاحًا كما لو لقِّنت امرأةُ زوَّجت نفسي بالعربية، ولا تعلم معناها، وقبل الزوج، فإن فيه تفصيلًا في الحكم بين الديانة والقضاء:
ففي الديانة: يلزم علم كل من المتعاقدين بمعنى الزواج والنكاح، وإلا لا ينعقد النكاح.
أمّا في القضاء: فإن العقد ينعقد وإن لم يعلما معناهما؛ لأن النكاح لا يشترط فيه القصد بدليل صحته مع الهزل على المفتى به. هذا القول اختاره صاحب الوقاية ص281، والملتقى ص49، ودرر الحكام 1: 328، والخانية 1: 327، وقال صاحب الدر المختار 3: 17: وبه يفتى، وفي الإصلاح ق42/أ: وعليه الفتوى، وبه صرح صاحب البزازية 4: 109، وفي البحر 3: 3: 95: إن ظاهر كلام التجنيس يفيد ترجيحه، وكذا مقتضى كلام صاحب الفتح 3: 198، ومجمع الأنهر 1: 318، والقول الثاني: بأن لا ينعقد ويشترط علمهما ذهب إليه البهنسي. ينظر: رد المحتار 3: 17، والدر المنتقى 1: 218.
أمّا في غير الصريح: فيلزم العلم؛ لأنه يحتاج إلى قرائن الأحوال الدالة على كونه نكاحًا أو النية مع إعلام الشهود، وكذلك فيما يكون مستقبلًا أو غيره مما يحتاج إلى النيّة. ينظر: مجمع الأنهر 1: 318، والدر المنتقى 1: 318، وغيرهما.