وإن كان العرف جاريًا بإرسال مثل الشيء المتنازع فيه هدية، فالقولُ قولُ المرأة بيمينها؛ لأن الظاهرَ يشهدُ لها وبما أننا بنينا الحكم على العرف، فلا يمكننا أن نقول: إن القولَ قولها فيما إذا كان المرسلُ فواكه مثلًا، والقول قوله فيما إذا كان ثيابًا؛ لأن ذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمان. فالحكم يختلف بالنسبة للبلد والزمن والزوج، فلا بد من أن القاضي ينظر، ويحكم حسب العرف الجاري.
فإن حلفَ الزوجُ أن ما أرسله إليها من المهر:
فإما أن يكون المبعوثُ موجودًا أو غيرَ موجود بأن كان هالكًا أو مستهلكًا.
فإن كان موجودًا خيِّرت الزوجةُ بين أمرين:
الأول: أن تبقيه محسوبًا من المهر، وترجع على الزوج بالباقي إن لم يف بالمهر، فإن وفى به فلا رجوع.
الثاني: أن تردَّه على الزوج، وترجع بباقي المهر إن كانت أخذت منه شيئًا غيره، أو ترجع بكله إن لم تكن أخذت منه شيئًا؛ لأنه عوضٌ عن المهر فلا ينفرد به الزوج، فلا بدّ من رضاها، وهي لم تأخذه على أنه من المهر، بل على أنه هدية كما ادّعت ذلك.
وإن كان هالكًا أو مستهلكًا فلا يمكنها أن تردَّه على الزوج، لكن إن كان مثليًا فلها أن تردّ مثلَه على الزوج وتأخذ المهر، وإن كان قيميًا تحتسب قيمته من المهر، فإن بقي لأحدهما بعد ذلك شيء يرجع به على الآخر، وهذا كله إذا لم يكن المبعوث من جنس المهر.
فإن كان من جنسه وقع التقاص كما لا يخفى، فإن أقام أحدهما بيّنة قبلت بيّنته؛ لأنه نَّور دعواه بالحجَّة، وإن أقام كلٌّ منهما بيّنة قدمت بينتُها؛ لأن البيِّنات شرعت لإثبات خلاف الظاهر، والظاهر يشهد له إذ هو يسعى في إسقاط ما في ذمته.
فإن ذكر وقت الدفع جهة أخرى غير المهر بأن قال: اصرفوا بعض هذه الدنانير إلى الشمع، وبعضها إلى الحناء فلا يقبل قوله أنه من المهر؛ لأنه صرف إلى الجهة التي عيّنها فلا يتأتى صرفه لغيرها؛ لأن الظاهر يشهد لها.