ولَمَّا كان هذا الأمر فظيعًا لم يقيِّد الشارعُ الحاكمَ بشيء مخصوص يستعمله، بل فَوَّضَ إليه النظر في التعزير؛ لأن ذلك يختلف باختلاف حالهما، فالعالمُ بالحرمة لا يعاقب مثل الجاهل بها، بل يعاقب كلًا منهما عقوبةً تليق بحاله، ولو رأى أنه يزيد في تعزيره عن المقدر شرعًا، فلا مانع من ذلك، ويكون ذلك من باب السياسة الشرعية التي تجيزها الشريعة الغراء عندما تدعو الحاجة إليها، وهذا مذهب أبي حنيفة (.
وقال الصاحبان والشافعي ومالك وأحمد (: يحدّ حدّ الزنا إن كان عالمًا بالحرمة؛ لأن هذا عقد لم يصادف محلّه، وكلّ عقد لم يصادف محلّه يكون لغوًا. ووجهه: أن محلّ التصرّف هو ما يكون محلًا لحكمه، وهذا المحلّ ليس محلًا للحكم؛ لأن حكمَه الحلّ، وهي من المحرمات.
ولأبي حنيفة (: أن العقدَ صادفَ محلَّه؛ لأن محلّ التصرّف هو ما يكون قابلًا لمقصوده، وهو هنا التوالد، وبنات آدم قابلة لذلك إلا أن هذا العقد تقاعد عن إفادة حقيقة الحلّ بتحريم الشرع في ديننا، فيورث الشبهة؛ لأن الشبهةَ ما يشبه الثابت وليس بثابت إلا أنه ارتكب جريمة، وليس فيها حدّ مقدر، فيعزَّر.
ومدارُ الخلاف أن هذا العقدَ يوجبُ شبهةً فيسقط الحدّ أم لا؟
فعندهم: لا ؛ لأنه وطءٌ في فرجٍ مجمعٍ على تحريمه من غير ملك، ولا شبهة ملك، والواطئ أهلٌ للحدّ عالم بالتحريم فيجب الحدّ، كما إذا لم يوجد العقد، وليس العقد شبهة؛ لأنه نفسه جناية هنا توجب العقوبة انضمت إلى الزنا، فلم تكن شبهة.
وعند أبي حنيفة (: نعم هو شبهةٌ يوجب سقوط الحدّ.
ومدار كونه يوجب شبهة على أنه وَرَدَ على ما هو محلّه أو لا؟
فعندهم: لا؛ لأن محلّ العقد ما يقبل حكمه، وحكمه الحلّ، وهذه من المحرمات في سائر الحالات، فكان الثابتُ صورةً العقد لا انعقاده؛ لأنه لا انعقاد في غير المحلّ.
وعنده: نعم؛ لأن المحليّة ليست لقبول الحل، بل لقبول المقاصد من العقد، وهو ثابت؛ ولذا صحّ من غيره عليها.