ولكن يقال على هذا: أنه لو كان المكره مختارًا؛ لما كان له اختيار فسخ العقود التي باشرها مكرها من البيع والشراء والإجارة وغيرها مع أن له الخيار في فسخ العقود أو إمضائها بعد زوال الإكراه.
ويجاب: بأن وجه ثبوت الخيار له في فسخ هذه العقود أو إمضائها أنه غير راض بالحكم، فثبت له فسخ العقود، وأما هاهنا فانه وإن كان غير راض بالحكم إلا أنه غير مخلّ به كالهازل، وهو الذي يقصد السبب دون الحكم.
وقد يقال: إن هناك فرقًا بين المكره والهازل فلا يصحّ القياس؛ وذلك لأن المكرَه له اختيارٌ فاسدٌ وللهازل اختيار كامل، والفاسد في حكم العدم فلا يلزم من الوقوع في الهازل الوقوع في المكره.
ويجاب عن هذا: بأن للهازل اختيارًا كاملًا في السبب، أما حقّ الحكم، وهو المقصود من السبب فلا اختيار له أصلًا، فكان اختيار الهازل أيضًا غير كامل بالنظر إلى الحكم فكانا متساويين فيصحّ اعتبار أحدهما بالآخر.
والجواب عن الحديث المتقدّم أنه لا يصحّ أن ننفي نفس ما استكرهوا عليه لوجوده حقيقة، فلا بُد من تقدير الحكم، وهو نوعان: دنيوي، وأخروي. فلا يتناولهما اللفظ الواحد؛ لأنهما كالمشترك وحكم الآخرة مراد بالإجماع، فانتفى الآخر أن يكون مرادًا.
وتوضيح ذلك أن الرجلَ إذا طلَّق زوجتَه ولم تكن هناك داعية إلى الطلاق ترتَّب عليه حكمان:
دنيوي: وهو وقوع الطلاق.
وأخروي: وهو العقاب في الآخرة؛ لما عرفت ممّا تقدّم أن الأصل في الطلاق الحظر، ولا يباح الإقدام عليه إلا إذا كانت هناك داعيةٌ إليه، فإذا أكره على الطلاق وأوقعه ثبت الحكم الدنيوي، وهو الوقوع، وانتفى الحكم الأخروي وهو العقاب لارتفاعه بالإكراه، ولا يصحّ أن نريدَ رفع الحكمين عن المكره؛ لأن المشتركَ لا يستعمل في معنييه.
وكلُّ هذا فيما إذا كان الإكراه على إنشاء الطلاق، فلو كان على الإقرار به لم يقع إجماعًا.
أمّا عند غير أبي حنيفة ( فظاهر.