الرابعة: إذا ولدت المرأةُ ولدًا ونفاه الزوجُ ولاعن وحكم القاضي بالتفريق ونفى نسب الولد، ثم ولدت آخر قبل مُضِي ستّة أشهر من وقت ولادة الأول، ولكن هذا فيه خلاف بين الأئمة الثلاثة، فالموجود هنا مذهب الإمام الأعظم.
وينبنى عليه: أن الولدين ينسبان إلى الزوج؛ لأن الولدَ الثاني لا يمكن نفيه إلاّ باللعان، واللعان لا يتأتى؛ لأن شرط إقامته أن تكون الزوجية قائمةٌ كما ستعرفه، وهي غيرُ موجودة، وأمّا الأول فيثبتُ نسبُه أيضًا؛ لأنه متكوّن من المادة التي منها الثاني؛ إذ الرحم لا يخلق فيه جنينان مكونان من ماءين مختلفين في زمن حمل واحد.
ولا يمكن أن يقال: إن الثاني وُجِدَ بعد ولادة الأول؛ لأنه لم يمض عليه أقلّ مدّة الحمل، فيكون متّحدًا مع الأول في المادة، وحيث ثبت الأولُ مراعاةً لمصلحة الولدين وسترًا لعرض المرأة وجميع عشيرتها مع جواز أن الولدين منه. تأمل.
ورأى الإمام مالك ( أن نسبَ الولد الثاني ينتفى بمجرَّد نفي الأول؛ لأن الحملَ عنده يصحّ نفيه، وحيث قد ثَبَتَ أن الحملَ والولدَ الذي نفاه من ماء واحد، فينتفى الحملُ ولا يثبت نسبُه إلاَّ إذا ادّعاه ولم يصرّح بأنه من الزنا، فإنّه إذا ادّعاه يثبت نسبه، هو والأول، ويحدُّ حدَّ القذف إن كانت المرأةُ ممَّن يحدُّ قاذفها بأن كانت حرّة مسلمة عفيفة عن الزنا.
وقال الإمام الشافعي (: أنه بعد نفي الأول وولادة الثاني لأقلّ من ستة أشهر لا ينتفي الثاني إلاّ إذا نفاه باللعان، ولا يشترط في اللعان عنده قيام الزوجية، فإنّه يكفي وجودها ولو باعتبار ما كان، فإن لم ينفه بأن سكت أو ادّعاه ثَبَتَ نسبُه، وبالضرورة يثبتُ نسبُ الأوّل لاتحادهما مادة، ويحدُّ حدّ القذف عند الاعتراف به صراحة، بشرط أن تكون المرأةُ ممَّن يحدّ قاذفها كما سبق. ولا يخفى ما في هذين المذهبين من ظهور المراد.