، وذلك أنّ اللهَ سبحانه وتعالى خلقَ هذا العالم وقدَّرَ بقاءه إلى أجل مسمَّى، ولكن بقاؤه إلى ذلك الأجل الذي سمَّاه وقدره يتوقَّف على بقاء النوع الإنساني المتوقِّف على التناسل، وذلك التناسل لا يتمّ ولا يفي بالغرض المقصود منه إلا بعقد الزواج الشرعي، وذلك أمر بديهي الثبوت لا يحتاج إلى البرهان.
نعم ربَّما يقول قائل: لو لم يكن هناك عقد زواج لحصل الازدواج بين الذكور والإناث بمقتضى الجبلة الخلقية؛ إذ كلٌّ منهما تدعوه شهوته إلى ذلك، فيحصل التناسل بدون عقد الزواج، ولكن بالتأمل نعلم صوابَ ما قلناه، وهو أن التناسل متوقِّف على عقد الزواج؛ إذ لو تركت النَّاس عبيد شهواتهم تسوقهم إلى ما تشاء لكان الغرض قضاءها للرجال وللنساء فضلًا من عن جلب المنافع لهنّ أيضًا.
فيعملن كلّ ما في وسعهن للحصول على الفائدة التي يقصدنها، فيمنعنَ الحبلَ؛ ليرغب الرجال فيهنّ، بخلاف ما إذا حصل الازدواج بعقد وصار كلٌّ منهما مرتبطًا بقوانين هذا العقد قاصرًا على صاحبه لا يتعدّاه إلى غيره، فلا يكون الغرضُ حينئذٍ مجرَّدَ قضاء الشهوة، بل النسل الذي يبقي للإنسان ذكرًا في هذه الحياة الدنيا.
وأي عاقل لا يرغب ذلك؛ فلذا ترى المتزوِّجَ يتكدَّر إذا لم يولد له؛ ولهذا لَمَّا قلَّ النسل في بعض الأمم المتمدينة بحثوا عن السبب فوجدوه ناشئًا من ازدواج الذكور والإناث بلا عقد، وبما أنه قد ثبتَ لك أن التناسلَ لا يتمّ إلا بالزواج الشرعي فها نحن نبيِّن لك ما هو الزواج، فنقول:
الزواج شرعًا: هو عقدٌ يفيدُ استمتاعَ الرجلِ بامرأةٍ لم يمنع من العقدِ عليها مانعٌ شرعيٌّ.