وإنّما قالوا في القاعدة المتقدّمة: أيّتُهما فُرِضَتْ مُذَكَّرًا حَرُمَت عليه الأخرى؛ لأنه لو جاز تزوُّجُ إحداهما على تقدير مثل المرأة وبنت زوجها أو امرأة ابنها، فإنه يجوز الجمع بينهما عند الأئمة الأربعة، وقد جمعَ عبد الله بن جعفر بين زوجة عليّ وبنته ولم ينكر عليه أحد.
وبيان ذلك أنه لو فُرِضَت بنت الزوج مُذَكَّرًا بأن كان ابن الزوج لم يجز له أن يتزوَّج بها؛ لأنها زوجة أبيه، ولو فرضت المرأة مُذَكَّرًا لجاز له أن يتزوّج ببنت الزوج؛ لأنها بنت رجل أجنبي.
وكذلك بين المرأة وامرأة ابنها، فإن المرأة لو فُرِضَت مُذَكَّرًا لحرم عليه التزوج بامرأة ابنه، ولو فرضت امرأة الابن مُذَكَّرًا لجاز له التزوّج بالمرأة؛ لأنه أجنبيّ عنها، ومن باب أولى ما إذا انتفت الحرمة من بين الجانبين: كالجمع بين بني العمّ أو امرأتين لا علاقة بينهما أصلًا، فإنك لو قدرت أيّتُهما مُذَكَّرًا لم يحرم عليه التزوّج بالأخرى فيجوز الجمع بينهما.
وبما أن المُحَرَّمَ إنّما هو الجمع بينهما فإذا وقعت الفرقة بين الرجل والمرأة المانعة بأي سبب كان جاز له أن يتزوج بأختها أو غيرها من المحارم اللاتي لا يجوز له الجمع بينهما؛ لأنه والحالة هذه لا يصدق عليه أنه جمع بين محرمين؛ لأنه ليس في عصمته إلا واحدة.
فلو كانت الفرقةُ بموتها جاز له في الحال التزوّج بالأخرى لعدم العدّة.
وإن كانت بطلاق فإن كان رجعيًا فلا يجوز له التزوّج بالثانية إلا بعد انقضاء العدّة بالاتفاق.
وان كان بائنا فعند أبى حنيفة ( هو كالرجعي، وقال الشافعي(1) (: له التزوج بالثانية، ولو في العدّة. واستدلّ الشافعي بأن القاطع وهو الطلاق موجودٌ على الكمال إذ ليس فيه شائبة الرجوع كما في الرجعي، فلا بُدّ من إعماله، وإعمال القاطع وهو الطلاق الكامل يقتضي القطع بالكلية فيثبت الحكم بقدر دليله.
(1) ينظر: النكت في المسائل المختلف فيها 55.