كانتعاش النبت بما يناله من ذلك القَطْر، بل الرعية بالملك أعظم انتفاعًا منها بالغيث، لأن للغيث وقتًا معلومًا، وسياسة الملك دائمة لا حّد لها ولا وقت" [1] . وكما أن القائد عنوان محسوس للسلطة، فهو أيضًا عنوان للوحدة، فأوامره بمثابة التنظيم والتنسيق التي تمنع المجموعة من التفتت والانحلال والتلاشي [2] ."
المقدمة الرابعة:
أن جميع الشرائع اتفقت على ضرورة نصب الملك والإمام، وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع وإجماع الصحابة [3] . قال القرطبي:"ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن (الأصم) [4] حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجّهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفئ و الصدقات على أهلهل، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إمامًا يتولى ذلك" [5] ."وهؤلاء محجوجون بالإجماع، والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار عن الملك ومذاهبة، من الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا، لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك و النعي على أهله ومرغبة في رفضه" [6] .
وقد ردّ (الجويني) على (الأصم) ردًا شديدًا حين قال:"وذهب عبد الرحمن بن كيسان [يقصد الأصم] إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافًا [7] يلتطمون ائتلافًا واختلافًا، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات رأيهم رابط."
(1) الشيزري، عبد الرحمن بن عبد الله بن نصر، المنهج المسلوك في سياسة الملوك، تحقيق: علي عبد الله الموسى، ط 1، (الأردن، الزرقاء: مكتبة المنار، 1407 ه- 1987 م) ، ص 166:165
(2) كورتوا، مرجع سابق، ص 9
(3) الشنقيطي، مرجع سابق، 1/ 22
(4) الأصم: من كبار المعتزلة، واسمه أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان. (لسان الميزان، ابن حجر، 3/ 427) .
(5) تفسير القرطبي، مرجع سابق، 1/ 264
(6) ابن خلدون، مرجع سابق، 1/ 240
(7) أي خائفين.