4/ أن سبط (بنيامين) كان سبطًا محتقرًا عندهم بشكل عام، ولم يكن ذلك السبط من سادتهم في ذلك الوقت، خصوصًا بعد تلك المعركة التي جرت بين أسباط بني إسرائيل من جهة، وسبط (بنيامين) من جهة أخرى ولم يبق من سبط بنيامين إلا عدد قليل من الرجال لا يتجاوز الـ 700 رجل [1] .
ولعل هذا هو الصحيح في احتقارهم لهذا السبط إذ كان طالوت آنذاك ينتمي إلى أصغر قبيلة [2] ، ولم يكن طالوت حينذاك إلا معدودًا من أجنادهم لا من سادتهم [3] .
وكانت العصبية شديدة لديهم، وهي سبب تناحرهم فيما بينهم، قال (ابن خلدون) :"وأكثر ما رسخ الوسواس في ذلك [أي التعصّب للحسب والنسب] لبني إسرائيل، فإنه كان لهم بيت من أعظم بيوت العالم بالمنبت، أولًا: لما تعدد في سلفهم من الأنبياء والرسل من لدن إبراهيم عليه السلام إلى موسى صاحب ملَّتهم وشريعتهم، ثم: بالعصبية ثانيًا وما آتاهم الله بها من الملك الذي وعدهم به، ثم انسلخوا من ذلك أجمع، وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وكتب عليهم الجلاء في الأرض، وانفردوا بالاستعباد للكفر آلافًا من لسنين، ومازال هذا الوسواس مصاحبًا لهم، فتجدهم يقولون: هذا هاروني، هذا من نسل يوشع، هذا من عقب كالب، هذا من سبط يهوذا، مع ذهاب العصبية ورسوخ الذل فيهم منذ أحقاب متطاولة" [4] .
وإنه لعجيب جدًا من اليهود الذين بلغوا من الذلة مبلغها، أن يكون لديهم هذا التمسّك والتعصب للعظمة الوهمية، والانتساب إلى بعض العظماء في عرفهم، سواء كانت عظمتهم بحق أو بغير حق. وهذا هو موضع الخطأ في تعظيم ذي النسب، ويشتد خطره إذا صار كل الأنساب يستعلون على الناس بأنسابهم دون علومهم وأعمالهم [5] .
(1) قد مرّ معنا الحديث عن هذه المعركة في مبحث (الاختلاف والاقتتال بين الأسباط) .
(2) موسكاتي، مرجع سابق, ص 141
(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق, 1/ 323 (بتصرف) .
(4) ابن خلدون، مرجع سابق, 1/ 134؛ وكذلك: ابن الأرزق، مرجع سابق, 1/ 56
(5) محمد رشيد رضا، مرجع سابق, 2/ 294