إن قصة هذا اللقاء تمثل لغزًا عند اليهود، ولم يعرفوا له تفسيرًا، وقالوا أنه عسرا لتفسير؛ إذ كيف يقّدم إبراهيم وهو أبو الأنبياء الزكاة لرجل غريب، ومن أين أتى هذا الرجل؟ [1] وأنّى لأغبياء اليهود أن يفهموا معنى الإسلام الواحد، والتوحيد الخالص؛ إذ أنه وبكل بساطة كان (ملكي صادق) على نفس العقيدة الإسلامية التي جاء بها (إبراهيم) عليه السلام والأنبياء من قبله، فمن الطبَعي جدًا أن يقوم (إبراهيم) عليه السلام بأداء الزكاة التي وجبت عليه لولي أمر المسلمين آنذاك الملك (ملكي صادق) . ومن الطبَعي أيضًا أن يبارك جهده وعمله ملك البلاد، ولكن اليهود قوم لا يفقهون.
ومعنى ذلك: أن مدينة القدس كانت موطنًا للتوحيد، قبل أن يقدم إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين، وأن إبراهيم عليه السلام استمرّ في دعوة التوحيد في مناطق أخرى في فلسطين، وأنه وجد استجابة من أهلها.
الدليل الثاني: جاء في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يارسول الله، أي مسجد وضع على الأرض أولًا؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: {أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلِّ فإنه مسجد} [2] ، ومن هذا الحديث نستنبط أن إبراهيم عليه السلام هو الباني للمسجد الأقصى، لأن الفترة الزمنيّة قصيرة بين بناء المسجدين [3] .
فإذا كان إبراهيم عليه السلام قد بنى المسجد الحرام في مكّة، وكان يصلّي فيه إسماعيل، ومن آمن معه من قبيلة (جرهم) . فلمن بنى إبراهيم عليه السلام المسجد الأقصى؟ ولم يعُرف عنه ولا ذريته من بعده أنه استقر هناك للصلاة، وإحياء المسجد الأقصى بالعبادة -كما قررّنا سابقًا-، إلا حينما جاء داود عليه السلام بعد قرابه 800 عام من بناء إبراهيم عليه السلام.
(1) فكري، القس أنطونيوس، شرح الكتاب المقدس: شرح سفر التكوين، موقع ويب: ST-takla.org
(2) رواه البخاري، كتاب (أحاديث الانبياء) ، حديث رقم 3366، 4/ 145، ومسلم، كتاب (المساجد ومواضع الصلاة) ، حديث رقم 520، 1/ 370 وأحمد في (المسند) ، حديث رقم 520، 1/ 370، وأحمد في (المسند) ، حديث رقم 213333، 35/ 261
(3) إلا إذا قلنا أن باني المسجد الأقصى اسحاق أو يعقوب عليهما السلام، فهذا أمر غير مستعبد. لمعرفة الأقوال فيمن بناه: أبو اليُمن، مرجع سابق، ص 8