ولقد كان طالوت مناسبًا جدًا لتلك المرحلة؛ فإن حال الحرب والسياسة يناسبها الدراية بفنون الحرب والعلم بقواعد التعامل مع الجيوش، إضافة إلى القوة الجسدية بكل ما تحويه من معاني، والتي لها وقعها في نفوس جنده وتفرض عليهم الاحترام والسمع والطاعة، كما أن لها مهابتها في نفوس العدو، وتفتّ في عضدهم وتلقي الرعب في قلوبهم [1] .
ولم يكن النبي (صموئيل) عليه السلام ليصلح لهذه المهمة بعد أن بلغ به العُمر مبلغه، يقول (ابن جماعة) :"لو كانت شروط الخلافة في جماعة صالحة لها، قدم أهل الحل والعقد أصلحهم للمسلمين. فإن عُقِدت للمفضول جاز عند أكثر العلماء. ولو كان أحدهم أعلم مثلًا والآخر أشجع مثلًا: فالأولى أن يقدم منهما من يقتضيه حال الوقت؛ فإن كان عند ظهور العدو وخوفه وخلل الثغور، فالأشجع أولى من الأعلم. وإن كان عند ظهور البدع وقلة العلم مع الأمن من العدو وظهوره، فالأعلم أولى" [2] .
ولم تكن مهمة (طالوت) هي قيادة المعارك فقط، بل كان ملكًا يحكُم ويرجع الناس إليه في الملّمات، ويضع القوانين المناسبة، ولذلك احتاج أن يكون له مزيد من الصفات التي أهّلته لهذا العمل الكبير، يقول (الماوردي) :"والإمارة على الجهاد مختصة بقتال المشركين. وهي على ضربين: أحدهما: أن تكون مقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب؛ فيعتبر فيها شروط الإمارة لخاصة، والضّرب الثاني: أن يفوّض الأمير فيها جميع أحكامها من قسم الغنائم وعقد الصلح فيعتبر فيها شروط الإمارة العامة" [3] .
ثالثًا: داود عليه السلام:
شخصية داود عليه السلام نشأت وترعرعت منذ الصغر لتكون في مستقبلها مضطلعة بمهمّة جسيمة، لا يطيقها إلا صاحب مواصفات كبرى، قد بلغت الغاية في المنتهى
(1) الخنين، مرجع سابق، ص 552
(2) ابن جماعة، مرجع سابق، ص 56
(3) الماوردي، الأحكام السلطانية، مرجع سابق، ص 47