قوس يوناثان إلى الوراء وسيف شاول لم يرجع خائبًا. شاول ويوناثان المحبوبان والحلوان في حياتهما، لم يفترقا في موتهما، أخفّ من النسور وأشد من الأسود. يابنات إسرائيل ابكين شاول الذي ألبسكن قرمزًا بالتنعّم، وجعل حلي الذهب على ملابسكن. كيف سقط الجبابرة في وسط الحرب، يوناثان على شوامخك مقتول. قد تضايقت عليك يا أخي يوناتان، كنت حلوًا لي جدًا، محبّتك لي أعجب من محبة النساء. كيف سقط الجبابرة وبادت آلات الحرب) [1] .
ومع زعم أهل الكتاب أن رثاءه لطالوت كان من قبيل صفاء قلب داود ومسامحته له، إلا أن ذلك يُشكل عليه اتهام داود عليه السلام بالكذب في مقالته ورثائه، فهل المسامحة تقتضي أن يكذب النبي داود في كلماته حين بيّن صدق جهاد طالوت وقوته وبأسه ضد أعداء الله، ومدى تفانيه في خدمة شعبه؛ أم سيكذب داود عليه السلام في صدق حبّه.
# لقد انتهت مرحلة طالوت حينما انتهت مهمّته، وحينما حقّق ما أراده الله منه في مرحلة احتاجت إلى المهارة العسكرية أكثر من السياسية، وإلى الدفاع والحماية اكثر من البناء والتعمير.
وأيًا كانت تلك الظروف التي انسحب فيها طالوت من منصّة القيادة، فقد احتفظ له القرآن الكريم بصورة ايجابية مشرقة، وكان التغيير حتمًا لازمًا، وفق سنن الله في التغيير، وأن المرحلة الجديدة تتطلب صنّاعًا مختصين لطبيعتها [2] .
ومن خلال العرض القرآني، فقد جاء طالوت إلى بني إسرائيل فجأة وغادرهم فجأة؛ وكأنه لم يأت رضي الله عنه إلا ليخوض بهم المعركة وينتصر بهم على أعدائهم، وينهي بذلك فترة هزائمهم، ويفتح لهم طريق النصر والتمكين والسلطان، فيكون أول من يسير فيه. وكأنّ حكم طالوت رضي الله عنه كان تمهيدًا لحكم داود
(1) سفر صموئيل الثاني، اصحاح 1، مقطع 18 - 27، مع ملاحظة أن هذه الترجمة العربية ركيكة جدًا ولم تحُسن في عرض الصورة الأدبية الصحيحة للنص العبري.
(2) مختار، محمد، طالوت بين الحق الإلهي والتجربة المرحلية، مقال الكتروني في موقع: مشروع النهضة): www.4 nahda.com