فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 770

فيقدّر لفظ يعمّ الجميع وهو هنا الانتفاع وفيه نظر لأنّا نسلّم أنّه لا بدّ من تقدير لكنّ الذّهن يسبق عند الإطلاق إلى تقدير ما يراد من تلك الذّوات كما يسبق إلى الذّهن من إطلاق {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ} [1] تحريم النّكاح فعلى الأوّل تقدير الآية حرّمت عليكم وجوه الانتفاعات بالميتة فيدخل في ذلك لبس جلدها واستعمالها بسائر وجوه الاستعمال سواء دبّغ أولا [2] ويؤيّده قول الباقر عليه السّلام وقد سئل عن جلد

(1) النّساء: 22.

(2) اختلف فقهاء الإسلام في حكم دباغ جلد الميتة على سبعة أقوال:

القول الأوّل: أنه لا يطهر مطلقا وهو المشهور من مذهب الإماميّة لو لم يكن عليه الإجماع ويشهد له رواية أبي بصير المرويّة في الوسائل في الباب 61من أبواب لباس المصلّى ح 1: سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن الصّلاة في الفراء فقال عليه السّلام كان علىّ بن الحسين عليه السّلام رجلا صردا لا يدفؤه فراء الحجاز لانّ دباغها بالقرظ فكان يبعث الى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصّلاة ألقاه وألقى القميص الذي عليه وكان يسأل عن ذلك فيقول: ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون أنّ دباغه ذكاته.

وخبر عبد الرّحمن بن الحجّاج المرويّة في الوسائل الباب 61من أبواب النّجاسات ح 4: قلت لأبي عبد الله عليه السّلام انّى أدخل سوق المسلمين أعنى هذا الخلق الّذين يدعون الإسلام فأشتري منهم الفراء للتّجارة فأقول لصاحبها أليست هي ذكيّة؟ فيقول: بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكيّة؟ فقال: لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول: قد شرط لي الّذي اشتريتها منه أنّها ذكيّة، قلت: وما أفسد ذلك؟ قال استحلال أهل العراق للميتة وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكائة ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك الّا على رسول الله صلّى الله عليه وآله.

وأنت خبير بما في الروايتين من اضطراب المتن مع قطع النظر عن السّند، أليس فيهما جواز البيع وبيع الميتة ممنوع نصّا وفتوى إجماعا منقولا ومحصّلا. أليس المأخوذ من يد المسلم محكوما بالتّذكية وقد نصّ الإمام في صحيح البزنطي: ليس عليكم المسألة انّ أبا جعفر كان يقول: أنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم انّ الدّين أوسع من ذلك؟ وكيف يمكن اسناد لبس الفراء الى الامام وهو متحرّز.

فمع صحّة الرّوايتين لا بدّ من حمل الاولى على الاحتياط الاستحبابيّ أو الكراهة والثّانية على عدم جواز الاخبار بالتّذكية اعتمادا على اخبار البائع الا أنه يمكن القول بأنّ إطلاق النّصوص المتضمّنة عدم الانتفاع بالميتة غير شامل لما بعد الدبغ ولا أقل من الأصل.

وقد خالف في المسئلة ابن الجنيد ونسب الى الصدوق أيضا وظاهره طهارته وان لم يدبغ أو نجاسته حكما بمعنى عدم التعدي لأنه قال في المقنع: «ولا بأس أن يتوضأ من الماء إذا كان في زق من جلد ميتة» ، وأرسل في الفقيه عن الصادق عليه السّلام عند السؤال عن جلود الميتة: «لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتوضأ منه واشرب ولا تصل فيه» الا أنهم حملوه على ما بعد الدبغ، قلت حمله على ميتة ما لا نفس له أولى ولعلّه كان عند السؤال عن الصّادق قرينة على ذلك اعتقدها الصدوق فأورد الخبر في سلك ما يجوز التّعويل عليه.

وممن قال بالطّهارة بالدبغ المحدث الكاشاني في المفاتيح ومال إليه أيضا صاحب المدارك حيث قال: وبالجملة فالمسئلة محل تردّد لما بيناه فيما سبق من أنه ليس على نجاسة الميتة دليل يعتد به سوى الإجماع وهو انما انعقد على النجاسة قبل الدبغ لا بعده وعلى هذا يمكن القول بالطهارة تمسكا بمقتضى الأصل وتخرج الروايتان شاهدا»، والرّوايتان إحداهما ما في الفقيه كما سمعتها والثانية ما رواه الشيخ في الصحيح الى الحسين بن زرارة (وهو وان كان في كتب الرجال مهملا الا أنه يمكن استفادة مدحه من دعاء الصّادق عليه السّلام له ولأخيه الحسن) عن الصادق عليه السّلام في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن والماء فأشرب منه وأتوضّأ؟ قال نعم وقال يدبغ فينتفع به ولا يصلى فيه راجع الرّواية في الوسائل ب 33من أبواب الأطعمة المحرّمة.

وعلى كلّ فالمشهور عن الإماميّة هو القول ببقاء النجاسة وهو مذهب احمد بن محمّد بن حنبل على أشهر الروايتين ومذهب مالك على احدى الروايتين ونسبه النوويّ في شرح صحيح مسلم الى عمر بن الخطّاب، وابنه عبد الله وعائشة ونسب أيضا الى عمران ابن الحصين. والمستند لهذا القول عند أهل السّنة ما عن عبد الله بن عليم ففي المنتقى على ما في نيل الأوطار ج 1ص 76عن عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب رواه الخمسة ولم يذكر منهم المدّة إلّا أحمد وأبو داود، قال الترمذي هذا حديث حسن، وللدّارقطنى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كتب الى جهينة انّى كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاء أحدكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وللبخاري في تاريخه عن عبد الله بن عكيم قال حدّثنا مشيخة لنا من جهينة أنّ النّبي صلّى الله عليه وآله كتب إليهم إلا تنتفعوا من الميتة بشيء.

وحيث ان الرواية كانت قبل وفاة النبي بشهر أو شهرين أو أربعين يوما أو ثلاثة أيام على ما في نيل الأوطار ج 1ص 78. قالوا: انّه ناسخ لما ورد من الحكم بالطّهارة ويؤيده ما صرّح به في رواية الدّارقطنى، وهذا هو المطابق للقواعد الأصوليّة لأهل السنة فإنهم يحكمون عند تعارض الاخبار بناسخية المتأخر ان علم التاريخ والتساقط أو الترجيح ان لم يعلم ولا يخفى عليك ان المرجح للأخذ برواية ابن عكيم ومع قطع النّظر عن تأخره كما عرفت عمل الصحابة حيث قد عرفت عمل عمر وابنه وعمران وعائشة بها وإنكار عائشة لروايتها الطّهارة يوقظنا بأنّها كانت عالمة بنسخها ولذا لم تعمل بما روتها فقد عرفت حكاية النووي عنها الحكم بالنّجاسة وروايتها الطّهارة كما في المنتقى على ما في نيل الأوطار ج 1ص 75عن عائشة أنّ النّبي صلّى الله عليه وآله أمران ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت رواه الخمسة إلّا الترمذي وللنسائى سئل النّبي صلى الله عليه وآله عن جلود الميتة فقال دباغها ذكاتها وللدارقطنى عنها عن النبي صلّى الله عليه وآله قال:

طهور كل أديم دباغه قال الدارقطنى إسناده كلهم ثقات.

فعدم عملها بما روته يضعّف الحكم بما روته ويقوّى الحكم بالنّجاسة كما رواه ابن عكيم. وضعّف روايتها الطّهارة ابن التركمان في ص 11ج 1من الجوهر النقي بإبراهيم بن الهيثم. وما ذكرناه في حكم التعارض موافق لما في كتبهم الأصولية انظر جمع الجوامع للسبكى بشرح المحلّى وحاشية البناني وتيسير التّحرير للأمير پادشا والمنهاج والمختصر وغيرها من الكتب الأصولية ولبعضهم في وجوه الترجيح تقديم خبر الحظر على الإباحة وعليه فالترجيح أيضا لخبر ابن عكيم.

القول الثاني: انّه يطهر بالدّباغ جميع جلود الميتة إلّا الكلب والخنزير والمتولّد منهما ظاهره وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره، والى هذا ذهب الشافعي واستدل على استثناء الخنزير بقوله تعالى { «فَإِنَّهُ رِجْسٌ» } وجعل الضمير عائدا إلى المضاف اليه وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، واستدل أهل هذا المذهب على طهارة ما عداهما بما رووه عن ابن عباس على ما في المنتقى في ص 72ج 1من نيل الأوطار عن ابن عبّاس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمرّ بها رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال: هلّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟

فقالوا انّها ميتة، فقال: انّما حرّم أكلها، رواه الجماعة إلّا ابن ماجة قال فيه «من ميمونة» جعله من مسندها وليس فيه للبخاري والنّسائي ذكر الدباغ بحال. وغيرها ممّا هو مسطور في كتبهم.

وقد أسلفنا لك في شرح المذهب الأوّل انّها معارضة بما عن ابن عكيم وبسطنا الكلام في وجوه ترجيح الثّاني ونزيدك هنا أنّه يمكن كون الميتة في تلك الرّوايات بالتّشديد وقد فرّق أهل اللّغة بين الميّت بالتشديد والتّخفيف وانشدوا:

يسائلني تفسير ميت وميت ... فدونك قد فسرت ان كنت تعقل

فمن كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميّت الّا من الى القبر يحمل

والشاهد لكون الميّت بالتّشديد لما لم يمت قوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}

وقد أشار الشاطبي الى ذلك في فرش القراءات في البيت الخامس من سورة آل عمران:

وميتا لدى الانعام والحجرات (خ) ذ ... وما لم يمت للكل جاء مثقلا

راجع سراج القاري ص 179.

وممّا يؤيّد هذا التّخريج من طرق الإماميّة ما روى في الكافي في الصحيح عن على بن المغيرة قال قلت لأبي عبد الله عليه السّلام جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشيء؟ قال لا قلت بلغنا انّ رسول الله مرّ بشاة ميتة فقال ما كان على أهل هذه الشّاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها قال عليه السّلام تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النّبي وكانت مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها، أي تذكّى.

وروى الشّيخ في الموثّق عن ابى مريم قال قلت لأبي عبد الله عليه السّلام السخلة التي مرّ بها رسول الله وهي ميتة فقال ما ضرّ أهلها لو انتفعوا بإهابها؟ قال فقال أبو عبد الله عليه السّلام لم تكن ميتة يا أبا مريم ولكنّها كانت مهزولة فذبحها أهلها فرموا بها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان على أهلها لو انتفعوا بإهابها. راجع الوسائل ب 61من أبواب النّجاسات ح 2و 5وب 43من الأطعمة المحرّمة ح 3و 1.

القول الثّالث: انّه يطهر بالدّباغ جلد مأكول اللّحم دون غيره وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبو ثور وإسحاق بن راهويه واحتجّوا بما في أخبارهم من جعل الدباغ في الإهاب كالزّكاة والزّكاة لا يحل لها غير المأكول وكذا المشبه لا يطهر غير المأكول.

القول الرّابع: انّه يطهر بالدّباغ جميع جلود الميتات الّا الخنزير وهو مذهب أبي حنيفة.

القول الخامس: انه يطهر بالدباغ الجميع ظاهر الجلد دون باطنه فلا ينتفع به في المائعات وهو مذهب مالك على المشهور، قالوا لأنّ الأحاديث الدّالة على التّطهير لم يفرق فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما واحتجاج الشافعي بالاية على إخراج الخنزير وقياس الكلب عليه انّما يتم عند جعل الضمير عائدا إلى المضاف اليه وهو ممنوع ولا أقل من احتمال رجوعه الى المضاف لو لم يكن راجحا ولو سلّم فهي مخصوصة بأحاديث الدباغ.

القول السادس: انه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة حتى الكلب والخنزير ظاهرا وباطنا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكى أيضا عن ابى يوسف القول السابع: انه ينتفع بجلود الميتة وان لم يدبغ ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات وهو مذهب الزّهري واستدلّ لذلك بحديث الشاة باعتبار الرّواية الّتي لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت