أي لا يحزنك صنع الّذين يسارعون في الكفر أي يقعون فيه سريعا وقسمهم إلى المنافقين وهم الّذين قالوا آمنّا إلى آخره، وإلى اليهود المتّبعين للكذب، وهو ما حرّفوه من أحكام التوراة وهم أيضا مطيعون لقوم آخرين لم يحضروا مجلسك بغضا لك، وقوله { «يُحَرِّفُونَ» } صفة أخرى لهم، قيل نزلت هذه في يهود خيبر حيث أرسلوا إلى النبيّ صلّى اللََّه عليه وآله يسألونه عن محصن زنى، وقالوا لرسلهم: إن أفتاكم محمّد بالجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوه، وذلك لأنّهم حرّفوا حكم التوراة برجم المحصن إلى أنّه يجلد أربعين سوطا ويسوّد وجهه ويشهر على حمار.
وعن الباقر عليه السّلام إنّ خيبريّة من أشرافهم زنت فكرهوا رجمها فأرسلوا إلى النبيّ صلّى اللََّه عليه وآله يستفتونه طمعا في رخصة تكون في دينه، فقال صلّى اللََّه عليه وآله: أترضون بحكمي؟ فقالوا: نعم، فأفتاهم بالرّجم، فأبوا أن يقبلوا فقال جبرئيل عليه السّلام للنبيّ صلّى اللََّه عليه وآله: سلهم عن ابن صوريا واجعله بينك وبينهم حكما فقال لهم: أتعرفون ابن صوريا؟ قالوا نعم، وأثنوا عليه وعظّموه، فأرسل إليه فأتى فقال له النبيّ صلّى اللََّه عليه وآله:
أنشدك اللََّه هل تجدون في كتابكم الّذي جاء به موسى عليه السّلام الرّجم على المحصن فقال نعم، ولولا مخافتي من ربّ التوراة إن كتمت لما اعترفت، فنزلت {«يََا أَهْلَ الْكِتََابِ قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمََّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتََابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [1]
فقام ابن صوريا وسأله أن يذكر الكثير الّذي أمر بالعفو عنه، فأعرض عن ذلك، واسم ابن صوريا عبد اللََّه وكان شابّا أمرد أعور، وكان أعلم يهوديّ في زمانه.
ونقل الزمخشري أنّهم أرسلوا الزانيين مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللََّه عن أمرهم، وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا، فأمرهم بالرّجم فأبوا عنه، فجعل ابن صوريا حكما بينه وبينهم فقال له: أنشدك اللََّه الّذي لا إله إلّا هو الّذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والّذي أنزل عليكم كتابا وبيّن حلاله وحرامه
(1) المائدة: 15، راجع مجمع البيان ج 3ص 193.