فهرس الكتاب
ثم إن هذه الآية رد لليهود في طعنهم للعرب، وقولهم: لنا السبت ولا سبت لكم.
{فَاسْعَوْا} ؛ أي: فامشوا، واقصدوا وامضوا {إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} سبحانه وتعالى؛ أي: إلى الخطبة والصلاة، لاشتمال كل منهما على ذكر الله. وما كان من ذكر رسول الله والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير .. فهو في حكم ذكر الله، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقاء بعكس ذلك .. فمن ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل، كما في"الكشاف"وعن الحسن - رحمه الله -: أما والله! ما هو السعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنيات والخشوع والابتكار. ولقد ذكر الزمخشري في الابتكار قولًا وافيًا، حيث قال: وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة؛ أي: مملوءة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج.
وقال الفراء: السعي والمضي والذهاب في معنى واحد، ويدل على ذلك قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود: {فامضوا إلى ذكر الله} . وقيل: السعي هو العمل، كقوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ، وقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) } ، وقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) } . قال القرطبي: وهذا قول الجمهور: أي: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه، من الغسل، والوضوء، والتوجه إليه تعالى.
وعبر بالسعي إشارةً إلى النهي عن التثاقل عنها، وحثًا على الذهاب بصفاء قلب وهمة، لا بكسل نفس وغمة. وهذا بالنسبة إلى غير المريض والأعمى، والعبد والمرأة، والمقعد والمسافر، فإنهم ليسوا بمكلفين بها.