فهرس الكتاب
{وَذَرُوا الْبَيْعَ} ؛ أي: واتركوا المعاملة بالبيع، ويلحق به سائر المعاملات، من الشراء والسلم والإجارة والقراض والمساقاة. قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة .. لم يحل الشراء والبيع، ويجوز أن يجعل البيع مجازًا عن المعاملة كلها. وقال بعضهم؛ النهي عن البيع يتضمن النهي عن الشراء؛ لأنهما متضايفان لا يعقلان إلا معًا، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. والمراد: الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، تجارة وصناعة وحرفة وزراعة وغيرها. وإنما خص البيع والشراء من بينها لأن يوم الجمعة يوم تجتمع فيه الناس من كل ناحية، فإذا دنا وقت الظهيرة .. يتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول عن ذِكر الله والمضي إلى المسجد .. قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه قليل.
وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين: {فامضوا} بدل {فَاسْعَوْا} وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث إنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، ففسروه بالمضي، فلا يكون قرآنًا؛ لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون.
{ذَلِكُمْ} المذكور من السعي إلى ذِكر الله وترك البيع مبتدأ، خبره {خَيْرٌ لَكُمْ} أيها المؤمنون من مباشرته. فإن نفع الآخرة أجلّ وأبقى {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الخير والشر الحقيقيين. فافعلوا ما أمرتكم به، واتركوا ما نهيتكم عنه.
روي: أنه - صلى الله عليه وسلم - خطب، فقال:"إن الله افترض عليكم الجمعة في يومي هذا وفي مقامي هذا، فمن تركها في حياتي وبعد مماتي وله إمام عادل أو جاثر من غير عذر .. فلا بارك الله له، ولا جمع شمله، ألا فلا حجّ له، ألا فلا صوم له، ومن تاب .. تاب الله عليه".
ومعنى الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} ؛ أي: إذا أذّن المؤذن بين يدي الإِمام وهو على المنبر في يوم الجمعة للصلاة. فاتركوا البيع واسعوا إلى موضع الجمعة، واذهبوا إليه لتسمعوا موعظة الإِمام في خطبته، وعليكم أن تمشوا الهوينى، بسكينة ووقار حتى تصلوا إلى المسجد.