معتمة وملتوية، لا يدرى إلام تنتهي به؟ وقدم له ما ينبغي أن يعلمه -وما يستطيعه- عن مبدأ الوجود ومنتهاه، وعلته وأسراره، قدمها إليه خالصة سائغة، سالمة من جدل المجادلين، وتعمقات المتفلسفين، وتخرصات المتكلفين.
وليت شعري ما الذي يستطيع أن يعلمه الإنسان عن وجوده هو، وعن وجود العالم الكبير من حوله، وعن صاحب هذا الملك الكبير -سبحانه- لو مشى في الطريق وحده، دون دليل من وحي الله؟
إنه سيضرب في بيداء لا يعرف فيها طريقًا، ولا يجد فيها غير السراب يحسبه ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ويسبح في بحار من الظلمات لا يهتدي فيها إلى بر ولا قرار، كالتي حدثنا الله عنها في كتابه: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) (النور: 40) .
أجل حاول كثير من المفكرين في القديم والحديث أن يحلوا ألغاز الوجود، ويظفروا بطمأنينة النفس عن طريق الفلسفة البشرية بعيدًا عن هدى الله، ووحي السماء، فأفلسوا وعجزوا.
قال الفخر الرازي (في كتابه"أقسام اللذات") بعد أن حصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، وطاف بدائرة المعارف الفلسفية والكلامية لعصره:"لقد تأملت الكتب الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلًا. ولا تشفي عليلًا. ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن .. ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي".
وعبر بعضهم عن صرعى الفلسفة والتفلسف فقال:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر واضعًا كف حائر ... على ذقن أو قارعًا سن نادم!