واسترخص كل تضحية، بل قدمها راضيًا مستبشرًا، ألا ترى إلى خبيب بن زيد وقد صلبه المشركون؟ وأحاطوا به يظهرون الشماتة فيه، يحسبون أنه ستنهار أعصابه، أو تضطرب نفسه، ولكنه نظر إليهم في يقين ساخر، وأنشد يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ألا ترى إلى الرجل من الصحابة ومن تبعهم بإحسان كيف كان يخوض عباب المعركة، والموت يبرق ويرعد، وهو يقول: (وعجلت إليك رب لترضى) (طه: 84) .
ألا تسمع لأحدهم وقد نفذ الرمح في صدره حتى وصل إلى ظهره، فما كان منه إلا أن قال: فزت ورب الكعبة.
وفي غزوة الأحزاب، وقد ابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالًا شديدًا إذ جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنون، وكشف المنافقون النقاب، فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا.
في هذا الجو الرهيب كان موقف المؤمنين هو موقف السكينة والطمأنينة الذي عهد منهم، والذي سجله الله لهم في كتابه: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا) (الأحزاب: 22) .
ما الذي وهب هؤلاء المجاهدين السكينة، والقتال مستعر الأوار؟ ومنحهم الطمأنينة والموت فاغر فاه؟ إنه الإيمان وحده، وصدق الله (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، ولله جنود السموات