فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 349

فعودتي إلى الإيمان لا ترجع إلى تدهور صحتي، ولا إلى ما عساه أن أكون قاسيته من الآلام التي تؤثر على عقلية المريض، فتجرفه في تيار التمني للتخلص من هذه الحياة والإخلاد لحياة أخرى، كلها راحة واطمئنان. كما أنى أقرر أنها لم تأت في أعقاب مصيبة أو كارثة من كوارث الحياة ومشاكلها، بل بالعكس، جاءت بعد أن قضيت ستة عشر عاما في حياة زوجية هانئة، فأنا رجل محظوظ لي ثلاثة أطفال هم مصدر سعادتي وغبطتي، وأحرزت من النجاح أكثر مما كنت أصبو إليه. أما إيرادي فيربو على حاجتي ومطالب أسرتي.

ومن هذا ترى أن هداي لم تصطحبه أية حبكة روائية أو إثارة ما لعواطفي. فلم أمر بتجربة قاسية، ولم تحرك إحساسي كارثة، كما لم يبهر بصري اكتشاف جديد قد يحدث هذا التبدل الذي أسجله الآن.

لقد أتاني الهدى وئيدًا حتى أنني لم أتبينه في نفسي خلال مراحله الأولى وما كان مرجع هذا التبدل إلا تلك التجارب المتواصلة التي صادفتني في أثناء ممارستي لمهنتي كطبيب نفساني" (العودة إلى الإيمان ص 14، 15) ."

فهذا الرجل الطبيب العالم يعلن في ثقة ووضوح أنه لم يعد إلى حظيرة المؤمنين نتيجة لتأثر وقتي، أو انفعال عارض، ولم يعد إلى الإيمان، بناء على نظريات نفسية اعتنقها، أو آراء فلسفية تبناها، فإن النظريات والآراء قابلة للصدق والكذب، ومحتملة للصواب والخطأ، إنما عاد الرجل إلى الإيمان، بناء على تجارب مارسها بنفسه، وعلى ملاحظات متكررة شاهدها بعين رأسه، وهذه التجارب والملاحظات هي أساس علم النفس التجريبي الذي يدرس الظواهر النفسية دراسة تقوم على القياس والاختبار والإحصاء والأرقام، والتي بها أصبحت الدراسات النفسية «علمًا» ولم تعد «فلسفة»

وها هو يوضح هذا المعنى ويؤكده، فيقول:

"إن علم النفس الحديث القائم على أساس الرياضيات والأرقام، والذي يطبق على البشر لا على الورق، هو الذي قلب آرائي ومبادئي رأسًا على عقب دون أن أشعر بالتطور الذي حل بي من مدة طويلة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت