دائمًا الحياة الآخرة حياة الخلود التي أعدت للإنسان وأعد لها الإنسان.
هذه السطور تمهيد لا بد منه، لبيان غرضنا من تأليف هذا الكتاب:"الإيمان والحياة" (هذا الكتاب هو الذي سبق أن أعلنت عنه بعنوان"العقيدة والحياة"ولكني آثرت أن أستعمل الكلمة التي استعملها القرآن الكريم في التعبير عن العقيدة وهي كلمة"الإيمان"ولا شك أن إيحاءها أعمق وأقوى) .
إننا نريد أن نلقي بعض الضوء على الآثار المباركة للدين في حياة الإنسان. مقتصرين على الدين في جانبه العقدي. الدين باعتباره إيمانًا بالله وبرسالاته، وبالدار الآخرة وما فيها من حساب وجزاء وثواب وعقاب.
وفي هذا الكتاب سنتبين بوضوح تلك الفرية الظالمة، التي زعمت أن الدين مخدر للشعوب. أو معوق للحياة، كما يزعم الماركسيون.
أجل، لو أننا احتكمنا إلى مقياس المنفعة وحدها، ورضينا منطق الذين لا يعتنقون فكرة إلا لمصلحة، ولمصلحة دنيوية فحسب، لوجدنا الدين -مع هذا- ثقيل الميزان مبين السلطان، فقد أثبت التاريخ والاستقراء لحياة البشر أن الدين ضرورة لا غنى عنها: ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد، وتزكو نفسه. وضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك ويرتفع ويرقى.
والفرد بغير دين ولا إيمان ريشة في مهب الريح لا تستقر على حال، ولا تعرف لها وجهة، ولا تسكن إلى قرار مكين. الفرد بغير دين ولا إيمان إنسان ليس له قيمة ولا جذور، إنسان قلق متبرم حائر، لا يعرف حقيقة نفسه ولا سر وجوده، لا يدرى من ألبسه ثوب الحياة. ولماذا ألبسه إياه، ولماذا ينزعه عنه بعد حين؟! وهو بغير دين ولا إيمان: حيوان شره أو سبع فاتك، لا تستطيع الثقافة ولا القانون -وحدهما- أن يحدا من شراهته، أو يقلما أظفاره.