والمجتمع بغير دين ولا إيمان مجتمع غابة. وإن لمعت فيه بوارق الحضارة. الحياة والبقاء فيه للأشد والأقوى، لا للأفضل ولا للأتقى، مجتمع تعاسة وشقاء، وإن زخر بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم.. مجتمع تافه رخيص، لأن غايات أهله لا تتجاوز شهوات البطون والفروج، فهم: (يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام) (محمد: 12) .
و (العلم) المادي وإن امتد رواقه، واتسعت ميادينه، ليس بمستطيع أن يحقق الطمأنينة والسعادة للناس، لأن العلم يرقي الجانب المادي للحياة، فيختصر الشقة البعيدة، والزمن الطويل، إلى مدة أقصر، ولهذا سموا عصرنا هذا"عصر السرعة"أو عصر"التغلب على المسافات".
ولكن هل يستطيع أحد أن يسميه عصر"الفضيلة"أو عصر"الطمأنينة"أو عصر"السعادة للبشر"؟
إن العلم هيأ للإنسان الحديث وسائل الحياة، ولكنه لم يهده إلى غاياتها، إنه زين له ظاهرها. ولكنه لم يصله بأعماقها، وما أتعس الإنسان إذا أغرقته الوسائل فذهل عن الغايات. وإذا شغل بالسطح عن القاع، وبالقشر عن اللباب!
العلم المادي أعطى الإنسان أدوات كثيرة، ولكنه لم يعطه"قيمة"كبيرة أو"هدفا"رفيعًا يحيا له ويموت عليه.
ذلك أن هذه ليست وظيفة العلم وليست من اختصاصه. وإنما ذلك من اختصاص الدين.
ولقد رأينا من المفكرين والفلاسفة من لا يؤمنون بالله ولكنهم يؤمنون بالإيمان بالله! أي يعتقدون بنفع هذا الإيمان باعتباره قوة هادية موجهة، وقوة مؤثرة دافعة، وقوة منشئة خلاقة.