يكون خلق هذا كله عبثًا. ويقول القرآن: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) (الدخان: 38، 39) .
وهذا الحق الذي به خلقت السموات والأرض هو ما يستشفه العقل، وتحس به الفطرة -وإن يكن إحساسًا غامضًا- أن لهذا الإنسان في الوجود رسالة، وأن وراء هذه الحياة -حياة الابتلاء والفناء- حياة أخرى، هي الغاية وإليها المنتهى، يجزى فيها المحسن بإحسانه؛ والمسيء بإساءته، حتى لا يستوي الخبيث والطيب؛ والبر والفاجر، وهذا ما تقتضيه الحكمة. ويقول القرآن: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار؟) (سورة ص: 27، 28) . (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون) (المؤمنون: 115) .
وتشعر الفطرة والعقل أن لهذا الخالق العظيم -بحكم خلقه لعباده، وإمدادهم بنعم لا تحصى- حقًا عليهم: أن يعرف فلا يجحد، ويشكر فلا يكفر، ويطاع فلا يعصى، ويفرد بالعبادة فلا يشرك به. وينادى القرآن الناس جميعًا: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم، فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون) (البقرة: 21، 22) .
ويبين القرآن الغاية من خلق السموات والأرض عامة، ومن خلق الجن والأنس خاصة، فيقول: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا) (الطلاق: 12) . (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد