فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 305

وكذلك عمر بن الخطاب كان يُقِرُّ على نفسه في مواضع بمثل هذه، فيرجع عن أقوال كثيرة إذا تبيَّن له الحق في خلاف ما قال، ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى يستفيدها منهم، ويقول في مواضع: والله، ما يدري عمر:"أصاب الحق أو أخطأه؟". ويقول:"امرأة أصابت، ورجل أخطأ!".

ومع هذا، فقد ثبت في"الصحيحين"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قد كان في الْأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد، فعمر» ، وفي الترمذي: «لو لم أبعث فيكم لبُعث عمر» ، وقال: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» ، فإذا كان الْمُحَدَّث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه بهذه المنزلة يشهد على نفسه بأنه ليس بمعصوم، فكيف بغيره من الصحابة وغيرهم الذين لم يبلغوا منزلته!

فإن أهل العلم متفقون على أن أبا بكر وعمر أعلم من سائر الصحابة، وأعظم طاعة لله ورسوله من سائرهم، وأولى بمعرفة الحق واتباعه منهم، وقد ثبت بالنقل المتواتر الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير هذه الْمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر» ، روى ذلك عنه من نحو ثمانين وجهًا، وقال علي - رضي الله عنه: لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. والأقوال المأثورة عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة كثيرة.

بل أبو بكر الصديق لا يحفظ له فتيا أفتى فيها بخلاف نص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد وجد لعلي وغيره من الصحابة من ذلك أكثر مما وجد لعمر.

وكان الشافعي - رضي الله عنه - يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه، فيحتجون عليه بقول عليّ، فصنف كتاب: «اختلاف عليّ وعبد الله بن مسعود» ، وبيَّن فيه مسائل كثيرة تركت من قولهما، لمجيء السنة بخلافها.

وصنف بعده محمد بن نصر المروزي كتابًا أكبر من ذلك، كما ترك من قول عليّ - رضي الله عنه - أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملًا فإنها تعتد أبعد الأجلين، ويروى ذلك عن ابن عباس أيضًا.

واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما في ذلك، وهو أنها إذا وضعت حملها حلت، لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أن سبيعة الأسلمية كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت