فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 305

ولا يرحم ضعيفًا، ولا ينصف مظلومًا، ولا يرد ظالمًا، وإنما يجعل الناس كالسباع في الغابة يأكل قويهم الضعيف، أو كالسمك في البحر، يلتهم كبيرهم الصغير؟

إن عندنا من الأمور المتفق عليها ما لو تعاونا فيه، ووضع كل منا يده في يد أخيه، وأصبحنا كما شبَّهَنا رسولنا: «كالبنيان يشد بعضه بعضًا» لصنعنا المعجزات، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه. وقد أمرنا الله تعالى أن نتعاون، فقال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .

وقد ضرب القرآن لنا مثلًا في التعاون بين المختلفين في المجال الذي يتفقون عليه، كانت ثمرته عملًا جماعيًّا فيه الخير والفائدة للفريقين، وللناس من بعدهم.

وذلك المثل القرآني نجده في بناء ذي القرنين للسد العظيم، الذي قص الله علينا قصته في سورة الكهف.

فقد ذكر تعالى قصة فتوح ذي القرنين ورحلاته في المغرب والمشرق، فقال عز وجل، بعد أن غرَّب الرجل وشرَّق: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 93 - 98] .

وهنا نجد عملًا كبيرًا تم إنجازه، بفضل الله تعالى، ثم بفضل التعاون بين هذا الشعب الأمي المسكين، الذي لا يكاد أهله يفقهون قولًا من تخلفهم وجهلهم، ولكنهم مهددون في حياتهم من تلك القبائل الهمجية التي تغير عليهما ما بين حين وآخر، فتهلك الحرث والنسل، وكان كل ما يفكرون فيه: أن يدفعوا خرجًا أو مبلغًا من المال لسلطان قوي، يتولى الدفاع عنهم. فأراد ذو

القرنين بحكمته أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت