ومما قاله في ذلك الإمام شهاب الدين القرافي:
"ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فيما يتعلق بالربوبية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجُلف، أو يسأل عن المعضلات، ودقائق الديانات، ومتشابه الآيات، والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له، فلا يجيبه أصلًا. ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا تخفض فيما عساه يهلكك، لعدم استعدادك له."
وإن كان الباعث له شبهة عرضت له: فينبغي أن يقبل عليه، ويتلطف به في إزالتها عنه بما يصل إليه عقله. فهداية الخلق فرض على من سُئل.
قال: والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة، فإن اللسان يُفهِم ما لا يُفهم القلم؛ لأنه حي، والقلم موات. فإن الخلق عباد الله، وأقربهم إليه أنفعهم لعباده، ولا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد" (1) ."
وكثيرًا ما كنت أطلب من صاحب السؤال إذا أحسست جِديته، وخشيت على جمهور المستمعين أو المشاهدين التشويش أن يلقاني على انفراد، لأستطيع أن آخذ معه وأعطي، بلا حرج ولا خشية.
ومن الأسئلة التي لم أكن أعبأ بها: ما يتعلق بالمفاضلة بين آل البيت والصحابة - رضي الله عنهم - وما شجر بينهم من خلاف، ونحو ذلك مما لا طائل تحته. وقد أفضى الجميع إلى ربهم، وقضى الله ما كان.
ومن الأسئلة التي يحرص بعض الناس على إثارتها، وتلقيت في شأنها أكثر من رسالة: أيهما أفضل عند الله: أبو بكر أم علي وبعضهم يقول: علي أم عثمان؟
(1) "الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام"للقرافي بتحقيق عبد الفتاح أبي غدة (ص: 282، 283) .