فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 305

وكيف نضبط هذا الاختلاف بالضوابط الشرعية العلمية، بحيث نؤسس ركائز لفقه الاختلاف، حتى يكون اختلاف تنوع وثراء، لا اختلاف صراع وتضاد.

د- مثل قضية الجدل"البيزنطي"في فرعيات الدين التي لا ينبني عليها عمل، والتي تأكل الأوقات، وتنشئ الحزازات، وتفرق الجماعات.

ومن الناس من تضيق صدورهم بأي خلاف، مع أن من الخلاف ما هو ضرورة ورحمة وتوسعة للأمة، وما يكون ثروة حقوقية وفقهية لها، وما يتيح لها فرصة للانتقاء والترجيح.

ومن الناس من يعتبر رأيه أو رأي جماعته هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، ورأي غيره هو الخطأ الذي لا يحتمل الصواب بحال، وقد ورثنا من السلف هذه الكلمة العادلة:"رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

بقيت هنا كلمة لا بد أن أقولها إحقاقًا للحق:

إذا كان تراث أسلافنا العظام - في مستواه البشري - خاضعًا للنقد، وليس في ذاته قداسة ولا عصمة، فإن منطق العقول المستقلة يقول: إن تراث الآخرين، سواء كان في الغرب أم في الشرق، أحق بالخضو للنقد والتقويم من تراثنا الذي يتميز بصلته بالدين، واستظلاله بالوحي، وهذا ما لا يجوز أن يختلف فيه اثنان من العقلاء.

وإذا كنا ننكر تقليد أسلافنا من فقهاء الأمة الكبار، وأئمتها العظام؛ لأنهم فكروا واجتهدوا وأبدعوا لزمانهم لا لزماننا، ولبيئاتهم لا لبيئاتنا، فنحن - ولا شك - أشد إنكارًا لتقليد آخر يشيع اليوم، ويراد له أن يهيمن على عقولنا، ويوجه حياتنا، وأن نخضع له أفكارنا وسلوكنا، ذلكم هو تقليد الغرب صاحب الحضارة المسيطرة على العالم بما فيها من نزعة مادية ظاهرة، ونزعة نفعية غالبة، وما تتضمنه في غالب مدارسها الفلسفية، وتطبيقاتها العملية، من احتقار للغيبيات، وإهمال للقيم الروحية والأخلاقية، وتشجيع للتحلل والإباحية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت