والتعامل بالمعايير المزدوجة، واعتبار الغرب هو سيد العالم، وأن حضارتهم أم الحضارات. لقد أثر الغرب فينا قديمًا عن طريق الاستعمار بأنواعه: السياسي والعسكري والاقتصادي والتشريعي والثقافي، واليوم يغزونا عن طريق ما سمَّوه"العولمة"وهي اسم جديد للاستعمار.
أقول: إن هذا التقليد الذي يراد فَرْضُهُ علينا اليوم، لتحني رءوسنا لفكر الغرب وثقافته، وفلسفته وحضارته، والتخلي عن جذورنا الإيمانية والثقافية، وهويتنا الحضارية، وخصائصنا الدينية والفكرية، لترتمي في أحضانه، وتذوب في حضارته، وتفنى فيها - كما عبر بعضهم من قديم - هذا التقليد مرفوض عندنا بلا نزاع؛ لأنه يمثل بالنسبة لنا اليوم اغترابًا، كما يمثل تقليد الأسلاف اغترابًا.
تقليد الأسلاف يعتبر اغترابًا في الزمان، وتقليد الغرب يعتبر اغترابًا في المكان.
والواجب أن نعيش في زماننا ومكاننا، لا نغترب عن العصر، ولا نغترب عن الدار.
نريد أن نفكر لأنفسنا بعقولنا لا بعقول غيرنا، لا نريد من أحد أن يفكر لنا، سواء كان من الأموات، الذين بيننا وبينهم قرون وقرون، أم من الأحياء الذين بيننا وبينهم بحار ووهاد.
على أن أسلافنا - وإن اغتربوا عنا زمانًا - هم أقرب إلينا فكرًا وشعورًا، فمنطلقاتهم منطلقاتنا، وغاياتهم غاياتنا، ومناهجهم مناهجنا، ولكنهم لم يحيوا حياتنا، ولم يعيشوا مشاكلنا، ولم يواجهوا تحدياتنا، ولم يعرفوا ما عرفنا في عصرنا.
أما الغربيون فهم أكثر بعدًا منا؛ لأن منطلقاتهم ليست منطلقاتنا، وغاياتهم غير غاياتنا، ومناهجهم ليست مناهجنا. فتقليدنا لهم أشد نكرًا.
ورجائي من إخواني العاملين للإسلام، أيًّا كانت المدرسة التي ينتمون إليها، أن يقرأوا كتابي هذا بروح الأخوة الإسلامية، لا بروح العصبية الجاهلية، فما أنا إلا واحد منهم، يسرني ما يسرهم، ويسوءني ما يسوءهم، وما أردت - والله - إلا الخير